ابو البركات
353
الكتاب المعتبر في الحكمة
وبتلك العلاقة يصير الشئ من جملة الأشياء المحفوظة ملحوظا فيكون التذكر والذكر كذلك ويكون أول ذلك أقربه من آلات الادراك كالذي في مقدم الدماغ وآخره ابعده عنها كالذي في مؤخره ولأن النفس على ما قيل من تطلعها إلى البدن وبالبدن وهو فيها اعني هذا التطلع على الأكثر ( وفي الأكثر أقوى يكون التذكر والذكر - « 1 » ) وهو ملاحظة الشئ الذي كان محفوظا بإعادة علاقته إلى الجزء الذي كان منه الاقتناص وبه التحفظ واعادته إلى جهته . وتصور هذه اللطيفة يكون بأن يتمثل الانسان نفسه كأنها ذات جهات متوزعة إلى هذه الاجزاء وان لم تكن في الحقيقة ذات اجزاء فان القائلين بالاجزاء والتجزى في النفس سبقوا أصحاب القول بالقوى فكرهوا القول بالاجزاء وقالوا بأشياء هي غير النفس المدركة الفعالة وغير اجزائها بل ذوات أخرى ولو كانت هذه اجزاء متميزة بالحقيقة لما عاق فعل بعضها عن فعل البعض بل كان كل منها إذا أكب على فعله لم يشغل الآخر عن فعله وإذا تعطل لم يغن الآخر فيكون كل واحد من هذه الأفعال الذهنية مخصوصا بجزء من الدماغ أو الروح الدماغي تكون للنفس به علاقة تخصها به وتلقيها اليه ويكون حفظ هذه الصور والمعاني عند النفس في ذاتها التي لا يضيق وسعها عنها كضيق أقطار البدن والجزء الخاص بها من اجزاء الدماغ آلة في ايداعها خزانة الحفظ عند النفس وتلك الآلية هي التعين المذكور من حيث تعلق به المعنى كتعلق المرئى بالبصر حتى ادركه المبصر الذي هو نفس الانسان كذلك يتعلق هذا المعنى أو هذه الصور بهذا الجزء تعلقا يشبه هذا فترفعه النفس محفوظا عندها ومن حيث يصير محفوظا يغيب عن هذا الجزء فلا يكون ملحوظا لكون النفس على الأكثر وفي الأكثر متطلعة إلى البدن وإلى ما يرد من جهته لا إلى ذاتها ولا إلى ما في ذاتها فإذا عادت تلك الصورة في ذلك المعنى بالذكر السانح الطبيعي أو بالتذكر الارادى من خزانة النفس إلى التعلق بهذا الجزء صار مذكورا ملحوظا من حيث كان غائبا محفوظا فيكون الشيء قبل حفظه ملحوظا بتعلقه بهذا الجزء وعند ذكره وتذكره مستعادا من خزانة
--> ( 1 ) من صف .