ابو البركات

346

الكتاب المعتبر في الحكمة

والرد لها وانما يكون كذلك عند خطور الأسباب الموجبة وأسبابها ومسبباتها بالبال معا حتى تلحظها النفس فتحكم فيها وبها ومن النفوس ما يضيق وسعها عن القليل فلا يجتمع لها التفات إلى شيئين من المدركات معا فان سمعت لم تفهم وان فهمت لم تتفكر وان تفكرت لم يتسع لها الفكر ولم يساعده الذكر فيشغلها شأن عن شأن ويزعجها حال عن حال ويعرف الناس هذا من أنفسهم ومن غيرهم ويسمون ما كان كالأولى نفسا قوية واسعة وما كان كالثانية نفسا ضعيفة وصغيرة وقاصرة وضيقة ويقال في العربية ضيق العطن . فنقول الآن من طريق القسمة والمناسبة ان من النفوس والذوات الفعالة المدركة ما يقوى على ادراك ما لا يتناهى معا ان لم يكن ذلك في نفسه ممتنعا وان امتنع فعلى كثير هو غاية الامكان ومنها ما لا يقوى في احدى حالاته الاعلى واحد بعد واحد من افعاله وإذا انصرف إلى غيره تخلى عنه فلم يسعهما معا ، ومنها ما يقوى من ذلك على كثير وأكثر وقليل وأقل ممعنا في حدود الزيادة والنقصان من الواحد إلى غاية الامكان والنفوس الانسانية لما ضاق وسعها عن ادراك كل شئ يمكنها ان تدركه أو عن كثير لا تسعه معا خصوصا في جزئيات متجددات الأحوال المشتركة في الزمان والمكان والمتقاربة فيهما كان اختصاص ادراكها في الجزئيات بواحد دون واحد مما يشاركه في زمانه وكثير من أسبابه وأحواله في الوقت المعين مما لا يجب ولا يتعين الا بتخصيص بحال وتمييز بسبب معين يخص بعضها دون بعض في حال دون حال وزمان دون زمان بقبلية وبعدية ومعية وذلك المخصص المعين هو هذا البدن المخصوص بآلاته ومكانه وحركاته وسكوناته وتغاييره وتبدل صفاته بحركته المكانية إلى شئ وعن شئ والاستحالية في شئ من حد إلى حد فله دار وجار وبغيض وحبيب ونسيب وقريب ومحاذ ومواز فيبصر ما حاذى بصره ويسمع ما قرب إلى حد السمع منه ويلمس ما ماسه في مكانه وكذلك في باقي ادراكاته بحسب أحواله فكانت النفس بذلك حيث « 1 » البدن وصار لها كالوكر للطائر والدار للمتدير التي يعمرها ويأوى إليها ويستريح

--> ( 1 ) كذا - ولعله - حبيب - ح -