ابو البركات

343

الكتاب المعتبر في الحكمة

ادراكنا له من انا رأيناه ذا جهة مشار إليها بالمحاذاة والقرب والبعد المحدودين فالقول فيه كالقول في جهته لا فرق بينهما . ومحصول ما انتهى اليه نظرنا هو أن هذه الادراكات الذهنية لهذه المدركات ليس على ما يرونه ويقولونه من انتقاشها في هذه الاجزاء من الدماغ والروح ولا القوة المدركة لها موجودة في الدماغ والروح وجود العرض في الموضوع الذي لا يجوز قوامه دون ما هو فيه حتى يكون ادراكها لهذه النقوش بانتقاشها في موضوعها ويستحيل بما قيل من ادراك ذوات الاشكال والمقادير والمدرك الذي لا نشك فيه قبل ان نعلم وننظر وبعد علمنا ونظرنا هي النفس التي هي ذات الواحد منا التي تبين ويتبين ان قوامها ليس بالبدن بل هي من الجواهر القائمة بذاتها لا تقوم بالبدن ولا تتحيز به ولا تتشكل بشكله ولا تتقدر بمقداره . والقول بأنها غير جسمانية كلمة متفق عليها بين الأماثل والأعيان من العلماء ولست احتج على هذه المقالة بشهرتها بل قد أوضحتها فيما سلف وأوضحها وهذه الادراكات لذوات المقادير على مقاديرها التي يصغر البدن باسره ويقل عن قليلها وصغيرها من الأدلة على جوهرية مدركها الذي هو النفس وبراءتها بقوامها وإنيتها عن البدن التي هي متعلقة به وانه إلى أن يكون فيها أقرب وأولى من أن تكون فيه تنحاز بحيزه وتتحدد بحدوده التي تصغر وتضيق عن بعض ما تدركه وتحويه معرفة وعلما . فبقى الآن ان نعلم مع ما علمناه من هذا المعنى في قوام النفس بذاتها دون البدن وما فيه من الأرواح والأعضاء واستغنائها في افعالها عما قيل فيه من القوى ان نعلم وجه اختصاص هذه الأفعال الذهنية بأجزاء مخصوصة من بطون الدماغ وروحه يضعف بمرضها ويقوى بصحتها كما نسبوا بحسب ما جربوا افعال التخيل والاحساس بما يتأدى عن الحواس إلى البطن المقدم وما فيه من الروح والتفكر والتوهم إلى البطن الأوسط والحفظ والذكر والتذكر إلى البطن المؤخر فنريد ان نعلم ذلك كما علمناه في آلة السمع والبصر وانما نعلم ذلك بسهولة ونعرفه بعد