ابو البركات
328
الكتاب المعتبر في الحكمة
هو أصغر منه جدا وكيف تنطبق الصورة العظمى على الصغرى وكيف إذا تفاوت الحد في التقدير هذا التفاوت الشنع - فان قيل إنه ينتقش أولا فأولا بحسب المحاذاة لأن البصر « 1 » انما يدرك من الشئ جزءا صغيرا بعد جزء صغير وهو قدر ما يحاذيه منه لسرعة انتقاله في محاذاة المريء ومسامتته لكثير من اجزائه في الزمان القصير فيظن المدرك انه قد أدرك الكل معا . فيقال في جوابه ان هذه الاجزاء المدركة بمحاذاة البصر لشئ منها بعد شئ ان كان المدرك منها أولا فأولا ينمحى أوله قبل ثانيه ولا تجتمع الاجزاء عند البصر معا فلا يتحقق للمدرك مقداره ولا يدركه المبصر ببصره إذ لا تجتمع له اجزاؤه المدركة معا وان أدرك وابصر فقد اجتمعت الاجزاء التي لا تسع العين مقدارها فكيف تنتقش صورته فيها ونحن نعلم انا نبصر الأشياء بمقاديرها المختلفة بالصغر والعظم وأصغرها في ذلك مثل أكبرها من حيث يرى على مقداره الخاص به ونقصانه عن غيره وزيادته عليه مرئية بالبصر مقيسة بالذهن - فلعلهم يقولون في جواب هذا ما يقولونه من أن قوى أخرى غير القوة الباصرة وهي القوة الخيالية التي تحل الروح الذي في مقدم الدماغ ويسمونها حسا مشتركا هي التي تقبل الصور المتأدية إلى الحدقة أولا فأولا وتضيف الأوائل إلى الثواني منها فتدركهما معا - قالوا وبهذه القوة يرى الشئ الذي يدور بحركته دائرة في الهواء وهو لا يبقى في اجزاء الدائرة معا والقول في هذه القوة وصغر محلها لأنه جزء من الروح الدماغي كالقول في الحدقة لا بل في الدماغ باسره لا بل في جميع البدن فان الانسان يرى الجبل العظيم والقطعة الكبيرة التي هي فراسخ من الأرض والسماء التي تكون اضعافا يعجز عدها ولا ينسب حدها إلى البدن باسره فكيف إلى الدماغ فكيف إلى جزء صغير من اجزائه وهو هذا الروح وما هو فيه منه . وهذا رد أصدق من ردودهم على خصومهم واشهر واظهر من أن يخفى أو يتمحل له بتلبيس أو مغالطة موهمة لجاهل من السامعين فكيف للعلماء . والقائلون بالشعاع الخارج من البصر فسواء كان عندهم ان الشعاع هو المدرك
--> ( 1 ) سع - النظر .