ابو البركات
327
الكتاب المعتبر في الحكمة
دقيقا جدا ضعيفا يضطرب عند العد والسريع وتموج الهواء وينقطع بمصادمة أجسام أخرى - وكان الكثير من الناس يحجب ابصار بعضهم بعضا ويمنعها عن الابصار وليس كذلك فيما نرى وان كان غير جسم فهو عرض في الجسم فكيف يسرى في الهواء على سبيل الإحالة المستمرة للهواء الذي يسرى فيه حتى يبلغ إلى حيث يبلغ أو على صفة أخرى ولو كان على سبيل الإحالة لقد كان إذا اجتمع كثير من الناظرين تصير ابصارهم أتم وأقوى لقوة الإحالة وتعاضد القوى عليها ومجادلات أخرى لا نطول بذكرها ولم نستوف هذه اقسام القول حتى نستوفى اقسام المناقضة والمجادلة فان لأولئك ان يقولوا بان هذا الخارج جسم يعظم مقداره ويمعن في التزيد في ذهابه بالغا ما بلغ ويتعذر على هؤلاء ردهم لقولهم بتبدل الأقدار على الأجسام ، وتجويزهم تزيد مقاديرها بأنفسها من غير زيادة ترد عليها ولا يجعلون لهذا التجويز حدا محدودا ولا يستحيل عندهم لا من جهة الزيادة ولا من جهة اسرافها ان يقال إن هذا الخارج يعظم مقداره بالزيادة حتى يبلغ الفلك الأعلى ولذلك تصغر الأشياء البعيدة عن ابصارنا لصغر ما عساه ينتهى إليها من هذا وكذلك يردون حجة التموج بان يقولوا ان تموج الجسم الخارج لا يضرّ في ابصارنا إذ الشبح يتأدى بتوسطه إلى البصر سواء اعوج أو استقام ان كان حاملا لا مدركا وان كان مدركا بنفسه فالتموج يكون فيه مناقضة ما - والقائل بأنه كيفية تنبسط في الهواء على سبيل الإحالة لا يقبل المناقضة القائلة بقوة الابصار عند كثرة الناظرين حيث يعين بعضهم بعضا فإنهم يقولون إن لكل ناظر كيفية تخصه لا تعينه فيها كيفية الآخر ولا تفيده فان هذه المعونة انما تنفع إذا استعصى القابل على الإحالة والهواء لا يستعصى عن قبول أقصى حدودها خصوصا إذا كان صافيا وان خالطه جسم لا يقبلها لم تنفع المعونة إذ لا يجعل غير القابل قابلا واستبعاد الأذهان لهذا لا يكون حجة يرد بها . والقائلون بالأشباح التي تتأدى يرد عليهم بحجة قاطعة نقول إن الحدقة والروح التي فيها كيف تسع لانطباع صورة السماء على عظمها وهي على مقدارها الذي