ابو البركات

321

الكتاب المعتبر في الحكمة

هي أيضا فاعلة هذه الأفعال التي لا تشعر بها نفسه أو لا تشعر بشعوره بها ورويته فيها وما سبق من القول الذي كان قد أرى ان الفاعل لها غيرها هو نفس أو قوى أخرى فيحتاج الناظر فيما أوردناه إلى زيادة نظر فيه وتأمل وارتياد حجج أخرى يثبت بها ما يثبت من الظنون ويبطل بها ما يبطل من الاعتراضات والشكوك التي حصلت من هذه الانظار المتقاومة الأدلة . فمنها ما يؤخر ذكره لتتقدمه أصول نافعة فيه ومنه ما يتذكر من سالف القول فأما القول السالف فهو ما قيل من أن العلم بسابق الافعال والأحوال يحتاج إلى ادراك سبق ومعرفة بتلك الافعال والأحوال واستثبات لذلك المدرك بالتفات النفس اليه وتوقف الذهن عليه من غير مزاحمة بما يصرفه عنه فلا يستثبت منه ما يصور وإلى تحفظ لذلك المستثبت بمراجعة وتكرار ليتحفظ وإلى تذكر لذلك المحفوظ باستحضاره خاطرا بالبال بأمر ينبه عليه ويقتضى به يعلم هذا من تتبع أمثاله فان الذي يسمع قولا بعجلة تمنعه من تفهمه يسمع ولا يفهم وإذا لم يفهم لم يستثبت المفهوم فلم يحفظ فلم يذكر مع أنه لا يشك في انه سمع لكنه لم يفهم أو فهم وما استثبت المفهوم في ذهنه أو استثبت لكنه لم يحفظ ذلك المستثبت بتكراره أو حفظه ولم ينبهه عليه امر يقتضى تذكره فلم يذكره فان الذي يخلو من المحفوظات عن منبه عليه ومقتض به لا يذكر فينسى وما لا يستثبت لا يحفظ وما لا يفهم لا يستثبت فليس كل ما يدركه الانسان يشعر بادراكه له ولا كل ما يشعر بادراكه يحفظه ولا كل ما يحفظه يذكره فان معرفة المعرفة غير المعرفة وادراك الادراك غير الادراك وتصرم هذه الأحوال وتجددها واستمرار هذه الأفعال وتتابعها ليس فيه وقفة تقرّ عندها النفس لادراك شئ منها فكيف لاستثباته وتحفظه وتذكره - والمتجدد منها يتدرج إلى الزيادة والنقصان والقرب والبعد تدرجا بيسير يسير فلا يكون منه في الزمان الذي يصح فيه الشعور والادراك ما له قدر يتميز به سابقه عن لاحقه في زيادته ونقصانه وقربه وبعده والذي يصح ان يدركه من ذلك هو ما ليس به من القلة والنزارة ما يخفيه مما يبين في قصير الزمان