ابو البركات

306

الكتاب المعتبر في الحكمة

معرفة بغير تمييز على أن الاكتناه بها أشد والتحقيق لها أكثر والمعرفة بها اقدم فان معرفة الانسان بنفسه التي هي ذاته وهويته تتقدم على معرفته بكل ما يعرفه فإنك لو فرضت انسانا خلا بنفسه عن كل مرئى ومسموع ومدرك من المدركات لقد كان شعوره بنفسه له موجودا وعنده حاضرا « 1 » لا يغيب عنه وفي كل فعل يفعله الانسان يشعر بنفسه معه ويدل بلفظه عليها مع دلالته عليه حيث يقول فعلت وصنعت وعلمت وجهلت وأردت وكرهت فبهذه التاء المضمومة في اللغة العربية في اللفظ يدل على ذاته ومن ذلك يترقى في الدلالة على معرفة ذات من يخاطبه بالتاء المفتوحة مع افعاله حيث يقول له فعلت وصنعت فشعور الانسان بنفسه يتقدم على شعوره بغيره ومعرفته التامة بها تتأخر عن معرفته بأكثر الأشياء والحد الذي هو شرح الاسم هو بحسب المعرفة الأولى المتداولة بين المسمين من الجهال والعلماء وإذا ارتقى الانسان في معرفته قليلا عرف بدليل النظر أولا فأولا من نفسه معرفة بعد معرفة فأول ذلك حيث يرى ( جسمه - « 2 » ) صغيرا وكبيرا مهزولا وسمينا ويرى أنه هو هو في كلتى الحالتين فيعلم ان نفسه غير جسمه الذي يرى ثم قد يقطع منه عضو ويعلم أنه هو هو فيعلم ان العضو المقطوع ليس من جملة هويته وذاته التي يشعر بها ويقيس على مثله في كل عضو أيضا فإنه يجد مثل العضو الآخر عظما ولحما وعصبا وعرقا وغير ذلك من الاجزاء المشتركة للاعضاء فيكون كلما يعرفه من ذاته بعد الانية المطلقة والهوية التي ماهيتها غير محققة بنظر علمي ودليل برهاني كما نشرع فيه من بعد . الفصل الثالث في تعديل الافعال النفسانية ونسبتها إلى القوى الافعال النفسانية إذا اعتبرتها في ذوات النفوس الكيانية وجد - أكثرها عددا ونفسا ما يوجد في الانسان فإنها فيه أكثر مما في النبات وما في الحيوان وأولها افعال التوليد الكائن بتغيير مادته الزرعية بالإحالة والتمزيج وتصريف ذلك في

--> ( 1 ) سع - خاطرا - ( 2 ) من صف .