ابو البركات

302

الكتاب المعتبر في الحكمة

والذي قلناه من التقسيم والتحديد في أول كلامنا أحق وأولى عند من تأمله مما أوردناه بعده . وقد قال بعض المستقصين في قوله ونظره في ذلك ما أوردناه ونورده ان من القوى السارية في الأجسام الفعالة فيها ما يفعل افعالها ويحرك على نهج واحد إلى جهة واحدة من غير شعور ولا معرفة وهي الطبيعة ومنها ما يحرك إلى جهات مختلفة من غير روية ولا معرفة ولا شعور أيضا وهي النفس النباتية ومنها ما يحرك إلى جهات مختلفة وعلى انحاء متفننة مع شعور ومعرفة وروية وهي النفس الحيوانية ولبعض هذه الإحاطة بحقائق الموجودات على سبيل الفكرة والبحث وهي النفس الناطقة الانسانية ومنها ما يفعل ويحرك على سنن واحد بإرادة متجهة على سنة واحدة لا تتعداها مع معرفة وروية وتسمى نفسا سمائية ونحن قد بينا فيما سبق من نظرنا وكلامنا ان القوى الفعالة كلها تفعل افعالها بشعور ومعرفة متميزة بين ما تقصده وتتوخاه وتتوجه اليه وبين ما تتركه وتنصرف عنه ولا يحرك محرك الا في شئ وعن شئ وإلى شئ ولولا الشعور والتمييز لما كان عنده أحدهما بان يكون متروكا أولى منه بان يكون مطلوبا فكل حركة تصدر عن محركها فعن شعور ومعرفة لا محالة واستوفينا الكلام في هذا لكن الفرق انما هو في المعرفة وسعتها حتى يكون معها شعور بالشعور ومعرفة بالمعرفة أو لا يكون وروية في المعرفة وترداد فيها ومقايسة بين الأشياء المعرفة المدركة المشعور بها وذلك هو التفكر الذي يصدر عنه وبحسبه الافعال الثواني عن ثواني مراتب المعرفة والروية وثوالثها عن ثوالثها وبالجملة مراتب يكون اثرها « 1 » وصدور الافعال بحسبها كما أشرنا اليه أولا وسنشرحه ثانيا . الفصل الثاني في النفس وماهيتها النفس في عبارة الحكماء بحسب ما قيل اسم مشترك يقال على أصناف من القوى

--> ( 1 ) في - صف - تكرارها وصدور الافعال .