ابو البركات

301

الكتاب المعتبر في الحكمة

بذلك ان للبياض نفسا هي غيره وما من أحد يعتقد انه شئ ونفسه شئ آخر فإنه إذا قال تألمت نفسي ليس يعتقد ان المتألم آخر إذا راجع فكره أدنى مراجعة وحقق تصور ما يقوله حتى يفرق بين اختلاف اللفظ واختلاف المعنى ولا يتوهم الأسماء في ترادفها كالمتباينة في معانيها باشتراكها في اختلاف المسموع فهذا هو المفهوم الحقيقي من قول الناس في مفاوضاتهم من لفظ النفس فان قيلت هذه اللفظة على المفهومين الأولين فإنما تقال لصدق حمل كل منهما على هذا المفهوم بحجة وبيان فان الانسان حين يفهم من لفظ النفس هذا المعنى قد يكون بحيث لا يعلم هل النفس هي البدن كله أو جزء من اجزائه الباطنة أو الظاهرة يخالفه لطبعه أو عرض في البدن أو هل هي جوهر غير جسماني بل أكثرهم يدل بهذه اللفظة ويستعملها في مفاوضته دالة على مفهوم بعينه وهو حينئذ لا ينظر ولا يتفكر في شئ من ذلك فحقيق ان يكون هذا هو المفهوم الأول من هذه اللفظة اعني لفظة النفس وهي بحسب هذا المفهوم عند كل متلفظ بهذا اللفظ بينة الوجود فليس أحد من الناس محتاجا في اثبات وجود نفسه إلى حجة فمن هو الذي يشك في انه موجود حتى يبين له ذلك بحجة وكيف لا ولا شئ عند أحد من الناس أبين من ذلك اعني أبين من وجود ذاته وكذلك ليس يحتاج ان يبين له ان لغيره من الناس نفسا اى ذاتا هي هويته وانيته وان احتاج ان يبين له ما ذاته ونفسه الموجودة وما ذات غيره فعلى هذا لا يحتاج ان يدل ويحتج الا ان هذا يخص النفوس الناطقة للناطقين دون غيرهم ممن لا يشعر بذاته وبشعوره بذاته من الحيوان والنبات . وقد كان القدماء سموا القوى النباتية والحيوانية بأسرها نفوسا لكنا إذا قسنا على علمنا شعرنا من أحوال الحيوان والنبات بمثل ما شعرنا من أحوالنا من جهة ان في تلك الأجسام أشياء هي الأصول في وحدتها باتصال اجزائها بعضها ببعض وبقائها بمددها وغذائها ونموها وشكلها وباقي افعالها وذلك الأصل هو النفس والجسد وما فيه تابع من حيث هو كذلك لها .