ابو البركات
249
الكتاب المعتبر في الحكمة
وقد اشتغل قوم من قدماء الأطباء بتشريح أبدان الناس أمواتا واحياء حتى عرفوا جواهر الأعضاء المختلفة وعددها ومقاديرها واشكالها وأوضاعها ومنافعها وبالغوا في ذلك واعتبروا غير الانسان من الحيوانات ذوات الأعضاء الكبيرة فيما تشارك فيه الانسان من الأعضاء وتخالفه فيه بالزيادة والنقصان وغير ذلك فلنذكر الآن من ذلك جمل ما في بدن الانسان . فنقول ان الانسان انما هو هو بنفسه التي هي هويته التي يشير إليها في عبارته حيث يخاطب ويخاطب بالتاء فيقول في اللغة العربية قلت وسمعت ورأيت وفهمت وتصورت وعرفت وعلمت وعقلت وقبلت وصدقت وكذبت وأردت وآثرت واشتهيت وكرهت وأحببت وأبغضت بضم التاء إذا أشار إلى نفسه وفتحها إذا أشار إلى المخاطب وهذه النفس كما سيتضح لك انما محلها من البدن الروح والروح جوهر هوائى ناري معرض للاستحالة والانفصال والصعود والتبدد من أيسر سبب وانما يبقى في حاويها كالقلب باستمداد من الهواء المستنشق بالأنف والفم ومروح بذلك الهواء مخرج لسخينه وكدره ومدخل لصافيه وبارده كالرئة وجوهرها يصلح ان يكون حارا رطبا مناسبا لجوهر المحوى فيه فيحتاج إلى واق وحافظ صلب هو كعظام الصدر التي هي لهما اعني القلب والرئة كالخزانة ولأن الروح ممتزجة من هواء أكثر ونار أقل واجزاء مائية وأرضية مخالطة لهما مخالطة محدودة التقدير والاختلاط احتاجت مع المادة من الهواء المستنشق إلى مادة مائية أرضية ممتزجة متصلة الورود عليها فكان لذلك أعضاء مورده كالفم وما فيه من الأسنان للكسر والقطع والطحن واللسان الذائق المعتبر لما يصلح من ذلك ولا يصلح ومعدة حاوية ممدة كالمعدة ومتممة مكملة كالكبد ثم لم يكن هذا الغذاء موجودا عنده كما للشجرة من الماء الجاري فاحتاج إلى آلات يسعى بها اليه ويتناوله بها كالرجل واليد التي بها يسعى إلى المرعى ويتناول مواد الغذاء فصار للحيوان الكبير أعضاء كبيرة فهذه الأسباب نذكرها ونذكر منافعها بحسب ما ادركه العيان من ظاهرها وأوضحه التشريح من باطنها .