ابو البركات
209
الكتاب المعتبر في الحكمة
ما يريدون فيرفعونه من الماء ويبنون به بنيانهم ويبقى بقاء صالحا كغيره من الصخر فكذلك يعرض لما يتفق ان يتشكل من الاجزاء الأرضية بالحركات الموجبة في قعر الماء على طول الزمان ان تعظم ثم تعظم حتى تعلو على وجه الماء جبلا عظيما وتحفر فيما يليه ويقاربه واديا ومسيلا « 1 » بحركات الأمواج وسيلان المياه فإذا علت الأرض مال الماء إلى ما يليها مما هو اخفض منها وانكشف الجبل بنزوح الماء عنه وتنزح المياه البحرية والبطائحية والآجامية على طول الزمان بأسباب سمائية من حركات الكواكب والرياح المموجة فينتقل من مكان إلى مكان وتنكشف ارض وتتغطى أخرى كما نراه الآن في ارض النجف فانا نجد آثار حدود الماء في اجرافه كأن زمانها لم يبعد فكذلك الجبال في كل ارض انما تكونت في البحار والمياه الغامرة والأودية والشعاب ينحفر فيها من سيلان مياه الثلوج والأمطار وجريانها ولا تزال الأمطار والسيول تحط منها ترابا وحجارة والشمس تجفف وتحل غبارا والرياح تقلع ترابا ومدرا حتى تفنيها على مر الزمان وتتلاشى كما نشأت فتعود أمكنتها اغوارا وأعاليها منخفضا فتصير بطيحة وبحرا فهكذا يدور الكون والفساد على الجبال والبحار والنجود والاغوار فيأخذ كل صقع من الأرض بقسطه من ذلك في زمان بعد زمان مشابها للحركة الدورية الفلكية الموجبة لذلك في الأراضي المختلفة ولذلك ترى الجبال كالمبنية من أشياء مختلفة ذاهبة على سنن مستو كطبقات بعضها فوق بعض وتحت بعض لتكونها عند سطح الماء بقوة الشمس في انحطاط من الماء بعد انحطاط بنقصان بعد نقصان ومن الأودية ما يسيل من الأمطار في وقت نزولها على ظواهر الأرض العالية والجبال وتنقطع جريتها بعد انقطاع المطر بقليل ومنها ما يجرى عن الثلوج التي تذوب من أعالي الجبال ويستمر جريانها ما دام الثلج موجودا على الجبل ويزيد بزيادته مع زيادة ذوبه وينقص بنقصانه ومنها ما تسيل عن مياه نزلت إلى أعماقها وأغوارها من الأمطار والثلوج وبقيت محبوسة فيها ثم رشحت من أسافلها ومن مواضع متخلخلة منها فاجتمعت بعضها إلى بعض وسالت أودية وجرت
--> ( 1 ) سع - واد ومسيل .