ابو البركات

210

الكتاب المعتبر في الحكمة

انهارا متصلة الجريان يلحق الصيفي منها بالشتوى والسابق باللاحق ولا ينقطع بل يزيد وينقص وقد يكون هذا الرشح والسيلان إلى غور من الأرض كثير يجتمع فيه الماء وينبع منه فينفجر عينا تفور كالماء المحقون الجاري من موضع عال إذا وجد مسيلا فإنه يصعد ويفور كما انحط مدده ونزل في محقنه ويكون من أمطار فيجرى وينبع في وقت دون وقت بحسب الأمطار ويكون من ثلوج فيزيد وينقص ويجرى وينقطع بحسب الثلوج في ذوبها وزيادتها ونقصانها . قال قوم وهم الأكثرون من الحكماء المتقدمين والمتأخرين ان الهواء المحتقن في باطن الجبل يبرد فيستحيل ماء ويسيل فيستمد هواء ويبرد فيستحيل ماء ويتصل ذلك على الدوم والدور ويرد عليهم بنزوح العيون ويبس الآبار وانقطاع الأودية والأنهار إذا قلت الثلوج والأمطار وزيادتها بزيادتها ونقصانها بنقصانها ولا ينفعهم شدة البرد مع عدم المطر والثلج في زيادة الماء في العيون والآبار واستدامته . ناظرنى في هذا مناظر في مرج همذان بزيادة مياه الآبار في ذلك المرج عند برد الهواء قبل الأمطار والثلوج ونقصانها في شدة الحر فقال ما نقصت إلا لعدم الاستحالة وما زادت إلا لوجودها واستحالة الهواء ماء والا فبما ذا وما جاء مطر ولا ثلج بعد - فأجبته بأن المياه ترشح من اعماق الجبال إلى ما تحتها من المروج كرشحها إلى العيون والأنهار فتقف فيها وتعلو على وجه الأرض حينا ثم ينقص مددها بقوة الشمس وطول النهار ويكثر تحلل ما يتحلل منها كما يتحلل من مياه البطائح وغيرها ولا يزال يقوى ذلك التحلل كلما قويت « 1 » الشمس وطال النهار فيصير المتحلل منها لقربها من وجه الأرض أكثر من الوارد إليها من رشح الجبال فلا يفي البدل بالمتحلل فتنقص الآبار وما نزحت الجبال وأغوارها بعد فإذا قصر النهار وبرد الهواء لم يتحلل منها ما كان يتحلل أو قل والبدل على ما كان عليه أو قريبا مما كان عليه في الانصباب فيزيد الماء ولو لم يكن كذلك

--> ( 1 ) سع - قربت - اى من الأرض