ابو البركات
208
الكتاب المعتبر في الحكمة
فان قيل إذا كانت الشمس سبب الحرارة الزمانية وموجبتها بما يشرق على الأرض من شعاعها فسبب البرودة المضادة لها اى شئ هو فإن كان غروبها وعدم شروقها فالعدم لا يوجب امرا وجوديا وليست البرودة على ما قيل معنى عدميا لان العدم لا يكون سببا موجبا فاعلا والبرودة تبرد وتوجب البرودة كما أن الحرارة تسخن وتوجب الحرارة فما السبب الوجودي للبرد . قلنا إن البرودة في الأرض والماء طبيعية لا يحتاجان في وجود البرودة لهما وصدورها عنهما إلى سبب موجب لهما فيهما بل إذا زال السبب الموجب لضدها المانع لها وجدت في موضوعها الذي هي طبيعية له وتأدت منه إلى ما يجاوره ويستولى عليه فلذلك كان السبب في برد الشتاء عدم السبب في حر الصيف لا غير فلما عدم عادت الأرض والماء إلى طبعهما وظهر عن الأرض برد وجمد الماء فالماء اما جامد بالطبع سائل بالعرض بالحر واما سائل بالطبع جامد بالعرض ببرد الأرض والأرض لا محالة هي الابرد لأنها الاكثف والبرودة مكثفة مجمدة فالكثافة باردة مبردة فهذه أسباب الحر والبرد في الصيف والشتاء والاعتدال والمقاربة في الربيع والخريف . الفصل الحادي عشر في الجبال والبحار والأودية والأنهار والعيون والآبار لما كانت الأرض يابسة ذات اجزاء لا تتجزأ وكان الماء يحيط بها والرياح تحرك الماء بالتمويج صارت الأرض تتحرك اجزاؤها في قعر الماء بحركته فتمتزج بالماء وتتصل به اجزاؤها ويبقى المتصل منها على شكل يتفق له في حركته وامتزاجه بانعقاده وتنضاف اليه اجزاء بعد اجزاء من الاجزاء الأرضية المختلطة بالماء فيزداد عظما بعد عظم وترى هذا في مياه وفي مواضع فان قوما إذا أرادوا أحجارا لبنيانهم ألقوا في الماء الجاري نوى التمر أو ما يشبهه فيتلبس على كل واحدة اجزاء أرضية بعد اجزاء فتعظم كلما بقيت حتى تصير صخرا كبارا بقدر