ابو البركات
206
الكتاب المعتبر في الحكمة
الحر ينتهى اليه مدده وقد غلطت المسامتة قوما حتى اغفلوا طول النهار وقصره البتة وظنوا ان البلاد التي يساوى ليلها نهارها ابدا تكون شديدة الحر لمسامتة الشمس رؤوس أهلها الا ان حرارتها لا تكون مؤذية مفسدة كحرارة غيرها من البلاد قالوا لأن تلك الحرارة المختلفة تختلف على سكان أقاليمها في حر الصيف وبرد الشتاء بورودها بعد برد وانصرافها إلى برد فتتباين أحوالهم وتختلف فيستضرون بذلك الاختلاف ولا يستضرون هؤلاء بدوام المسامتة والحر لتشابه الأحوال وما علموا ان الحر الدائم على الحيوان والنبات أضر من الوارد بعد البرد وان الأبدان التي لم تأخذ حظها من البرد وانعكاس الحرارة الغريزية واعداد الرطوبة الصالحة في بواطن الأبدان شتاء لا تسلم صيفا وان مضرة برد الشتاء يتلافاها حر الصيف ومضرة حر الصيف يتلافاها برد الشتاء حتى يكون الذين يفقدون الاعتدال في كل زمان يجدونه في جملة الزمان لان الاعتدال الذي لا يجدونه في كل يوم وشهر من سنتهم يجدونه في جملة سنتهم والذين يجدونه في كل زمان فحالهم أحسن ومثل هؤلاء كمثل من يجوع فيشبع ويمرض فيعا في وهؤلاء كمن لا يجوع ولا يمرض وكذلك يكون زمانهم ابدا كالربيع وثمارهم شهورية لا سنوية إذا أدرك منها شيء بدا غيره لتشابه الأحوال في الأزمان وانما ذلك عندهم لاعتدال نهارهم وليلهم ابدا فالسبب الأقوى في حر الصيف وبرد الشتاء في كل صقع هو طول النهار وقصره والسبب الأقوى في زيادة حر الصيف وبرد الشتاء عند قوم دون قوم هو المسامتة والبعد عنها ويقوم طول النهار في ايجاب الحر مقام طول الليل في ايجاب البرد ويبقى الترجيح للمسامتة وعدمها ولولا الدوام لما كان الحر في وقت الزوال وإلى قريب من العصر أشد منه في وقت الظهر ولولا المسامتة والقرب منها لما كان بعد العصر وإلى وقت الغروب أقل حرا فان الدوام لو كان هو سبب الزيادة لا غير لكان حر آخر النهار أشد من حر العصر وحر العصر أشد من حر الظهر ولم يبتدئ الحر في التراجع إلا مع ابتداء الليل وليس كذلك بل يبتدئ في النقصان من وقت