ابو البركات

187

الكتاب المعتبر في الحكمة

لكثرة السطوح الحادثة وانما هو لاختلاف منظرها لا لكثرتها فان الكثير المتشابه عند البصر كالكثير المتصل وانما الأجزاء الصغيرة يعجز البصر عن ادراك آحادها والمرئيات المختلفة المجتمعة في مبصر واحد عند الموقع الواحد من لمحاته له يعجزه عن تمام الابصار فلا ينفذ فيها إذا كانت شفافة بل ينعكس عنها فيكون ذلك بياضا . وقد قيل إن البياض لون مفرق للبصر وليس لهذا القول معنى يرجع اليه فإنهم ان عنوا بتفريق البصر ما عساه يعرض له من ضعف وكلال عند ابصاره فالنور والشعاع بهذا أولى ثم إن هذا القول لا يعرف اللون بأحواله الذاتية وانما يعرفه بحالة تعرض للبصر عند ادراكه ويعرف اللون الأبيض من لا يعرف هذا الحد ولا يعترف به بل اللون الأبيض يعرف من حيث هو أحد المحسوسات الأول بغير حد وانما الكلام في معرفة أسبابه وكذلك قالوا إن السواد لون جامع للبصر وليس اللون جزء البياض جزءا من حقيقة اللون الأبيض وانما البياض هو جزء عرض لمعناه عند الذهن في المعرفة العامة والخاصة وذلك ذهني لا وجودي ولا اللون علة والأبيض معلول على ما يراه شيعة افلاطن في المعاني الكلية من أن العام منها علة للخاص ولا كلاهما علة اللون الواحد الشخصي بل اللون الأبيض واحد في الوجود لا يتجزأ باللونية والبياضية وبتكثر في الذهن بالعموم والخصوص ثم نرى ان اختلاط الهواء بما له لون كالعسل يبيضه إذا داخلت اجزاؤه اجزاءه كما يفعله الصناع بالهواء من تحريك العسل حتى يبيض بدخول الاجزاء الهوائية في التحريك المفرق بين اجزائه فنعلم ان البياض ليس هو لون الأرض الصرفة ولا الحمرة ولا الصفرة ولا الخضرة فان الطينة الحمراء إذا أحرقت بالنار احراقا بالغا عادت غبراء أو بيضاء والنار انما تخرج منها اجزاء مائية فتعيدها إلى اللون الأقرب إلى صرافتها ولان الأرض في طبعها وجوهرها غير متصلة كأنواع الأحجار الصلبة بل منفصلة إلى اجزاء على ما قلناه وانما تتصل باختلاطها بأجزاء الماء فمطلوبنا هو معرفة لون هذه الاجزاء فإنه اللون