ابو البركات

178

الكتاب المعتبر في الحكمة

هكذا ثم ما ذا الذي تحرك من الكون إلى الظهور ان قيل المجانس فهلا تحرك الظاهر إلى الكامن كما تحرك الكامن إلى الظاهر وليس منهما جهة طبيعية بحركة حار ولا بارد . فان قيل يتحرك القليل إلى الكثير المجانس لم يكن الامر كذلك لأن الشرارة الواحدة تحيل اضعافها من الحطب فقد برز إليها من الكمون اضعافا مضاعفة وان عنوا بالكون ما نعنيه من القوة وبالبروز ما نعنيه من الفعل فقد اتفق الرأيان في المعنى وان اختلفت العبارة . قال قوم ما أرادوا به الا الكمون والبروز واستشهدوا بالزناد حيث يقدح بالحك وبروز النار منه فقالوا هذا كان كامن برز وما قالوا حقا لأن الشرارة البارزة ان كان هذا سببها لا الاستحالة فأضعافها المشتعلة بها ما سببها ومن اين برزت واين كانت كامنة - واما المذهب الثاني القائل بالكون دون الاستحالة وقوله بان الحرارة تحصل بكمالها في جزء جزء ولا يحصل بعضها في اجزاء كثيرة في بعض الزمان فلا تكون ضعيفة وتشتد فان النظر يرده حيث تعتبر حال هذه الاجزاء فنرى انها لا تخلو أن تكون اجزاء متشابهة أو غير متشابهة فان تشابهت لم يتميز منها جزء عن جزء في استحقاقه قبول التأثير بحال سوى القرب من المؤثر والبعد عنه فيكون المتكون المستحيل أولا فأولا هو الأقرب فالأقرب ولا يجوز ان يبقى بين جزءين سخنا جزء لم يسخن وهو أقرب إلى الأول من الثالث ولو كان كذلك لكانت السخونة إذا ظهرت في الاجزاء أحست فيما تظهر فيه بكمالها وتمامها فيما تسخن كما تظهر فيما يشتعل ويحترق بالنار ولسنا نرى الامر كذلك فيما يسخن ويبرد بل نرى بعض الحرارة في الكل تبتدئ ضعيفة ثم تشتد ولو كان لتخلل اجزاء لم تسخن البتة بين اجزاء سخنت في الغاية حتى شاهد الحس المختلط منها كما قالوا وظنه قد سخن بعض السخونة كانت الحرارة تكون قد تعدت من أول جزء إلى ثالث في الاسخان وتركت الوسط حتى ظهر في الكل مختلطا وذلك محال والا فلم