ابو البركات

170

الكتاب المعتبر في الحكمة

أحدهما إلى الآخر يستحيل اسرع وأكثر من الابعد وكلما كان كل واحد منهما أعظم كان الاختلاف بين حره الأقرب ( من ضده - « 1 » ) وحره الابعد منه اظهر وكلما كان أصغر كان التشابه بين قريبه وبعيده أكثر حتى ينتهى به الصغر إلى حد لا يتبين فيه الاختلاف ولا يظهر فتصير الكيفية المتوسطة بين الكيفيتين واحدة متشابهة في الممتزج وهكذا يكون المزاج والامتزاج وهو اختلاط اجزاء من أجسام مختلفة الأحوال بحيث لا يدرك الحس في مخلوطها حال واحد منها على انفراده بل حالة واحدة لمجموعها عن مجموع حالاتها المختلفة وتسمى تلك الحال الواحدة مزاجا وهي مجموع أحوال الأشياء المختلطة المختلفة الأحوال والعناصر التي تبقى على المزاج زمانا يعتد به هي الأرض والماء والهواء مع ما عساه يتخللها من الخلاء . واما النار فلانها لا يتسلط عليها التوسط بالامتزاج لأنها لا تقبل في حرارتها الضعف والاشتداد بل الكون والفساد يظن فيها انها لا تدخل في المزاج ولا تبقى على الامتزاج زمانا الا بمدد يخلف فيه الكائن الفاسد وذلك المدد انما يكون باستحالة كونية كاستحالة الدهن والحطب التي يتصل أولها بثانيها ومقدمها بتاليها ولو تأخر التالي عن المقدم باقصر زمان لا نقطع المدد وانما الحر الصاعد يحيل في مثل الزمان الذي فيه يصعد بد لا يخلفه فقبل ان ينفصل يحيل خلفا وكذلك الثاني والثالث على الولاء والاتصال فان كانت الإحالة أقوى سبق الكون الفساد وزاد الكائن على الفاسد والبدل على الزائل فنما الاشتعال وكثرت النار وان كانت الإحالة أضعف سبق الفساد الكون وزاد عليه فنقص الاشتعال وقلت النار وإذا لم تلحق الاستحالة بالمفارقة والكون بالفساد انطفت فإنها لا تتمادى في الصعود حتى تنطفئ ولا يعلو لهبها الا بقدر كثرتها لان الكثير يحفظ بعضه بعضا ويقوى على الحار المحيل والضد المفسد فيعلو بحسب عظمه وقوة مدده وإذا قل قل وإذا انقطع انقطع فإذا كان الحر الكثير الذي يقوى على الضد الذي يطفيه لا يبقى في الحيز الغريب زمانا يعتد به الا بمدد الاشتعال والاستحالة

--> ( 1 ) من صف