ابو البركات

152

الكتاب المعتبر في الحكمة

الهواء الحار بردا يعود على الهواء المجاور فكثافة الماء الباقية اقتضت البرودة الزائدة على تبريد الحار ولو لم يستبدل في مجاورته بردا بحر لما برد ولو لم يصدر عنه برد زائد على برد المجاور لما عاد مبردا للمجاور فالبرودة تقتضى الكثافة وتفعلها والكثافة « 1 » تحفظ البرودة وتقويها وليس هناك قوة أخرى وكذلك الأرض الا ان الكثافة واللطافة محدودة بحدود هذه الخمس والحرارة والبرودة غير محدودة بل تنحصر بين طرفين بالشدة في الضدين وتتصل في الزيادة والنقصان من الطرف إلى الطرف غير واقفة عند حد حتى يكون قعر الماء أبرد من سطحه وان لم يكن اكثف وقعر الأرض أبرد من سطحها وان لم يكن اكثف ويعترض على هذا بحرارة بواطن الأرض شتاء وبردها صيفا وانما ذلك بانحصار ما اكتسبته الأرض من حر الصيف وثباته عند كثافه السطح بالبرد في ابخرة لا تتحلل وعكس ذلك في الصيف وغلط من الحس بالقياس إلى الهواء المحيط باللامس في حره وبرده فان بواطنها أبرد من الهواء الصيفي في الظاهر وأحر من الشتوى والاعماق العميقة جدا باردة ابدا لبعدها عن تسخين الشعاع والهواء ويشتد بردها لما قيل صيفا فالقوى الفعالة في هذه الأجسام هي الحرارة والبرودة والآثار المنفعلة هي الكثافة واللطافة مع الحرارة عن الحرارة والبرودة عن البرودة ونرى الخفة والثقل اللذين بهما طلب الاحياز ينشئان عن اللطافة والكثافة اللتين تنشئان عن الحرارة والبرودة والحرارة تحرك الكثيف إلى فوق وتلطفه فتصعد بحرارته ولطافته فتعين اللطافة الحرارة على الاصعاد وتعاوق الكثافة وتضاد البرودة والفاعل الأول في هذه يسمى طبيعة فيقال هذا طبيعته الحرارة وهذا طبيعته البرودة وتسمى هذه الأربع أو الخمس طبائع . فاما القول بأنها تفعل افعالها ولا تشعر ففيه موضع نظر للنظار فان الشعور والمعرفة عرفناه في غيرها من الفاعلين بنطق الناطقين منهم وقول الواحد عن نفسه انني شعرت وعرفت وعلمت ولا يصح ذلك في غير الناطقين فيبقى الامر مجهولا عندنا فلا نعلم هل يشعر الفاعل أو لا يشعر فنستدل حينئذ باختلاف الافعال

--> ( 1 ) سع - وكالكثافة .