فخر الدين الرازي
98
شرح عيون الحكمة
فان قيل : الانسان المشترك فيه وان كان شخصا واحدا في الأعيان ، يلزم أن يكون الشخص الواحد عالما وجاهلا . وهذا جمع بين النقيضين . فان قيل : انه أمر واحد الا أنه متى أخذ ذلك الشخص مع أعراض مخصوصة ولواحق كان عبارة عن « عمرو » وأحد المجموعين مغاير للمجموع الثاني ، فلم يلزم من قيام العلم بأحد المجموعين وقيام الجهل بالمجموع الثاني اجتماع الضدين . والجواب : انه لا نزاع في أن الذات الواحدة إذا أخذت مع صفة ثم إنها بعينها تؤخذ مع صفة أخرى ، فان أحد هذين المجموعين مغاير للمجموع الثاني . الا أنا نقول : ان هذا القدر من التغاير لا يمنع من كون الأضداد متنافية متغايرة . ألا ترى أن الذات الواحدة إذا قام بها البياض والسواد فان تلك الذات مأخوذة مع السواد مغايرة لكون الذات مأخوذة مع السواد مغايرة لكون الذات مأخوذة مع البياض . فلو كان هذا القدر من التغاير مانعا من حصول التنافي بين الأضداد ، لوجب أن لا يحصل التنافي بين الأضداد أصلا . وحيث حصل علمنا بأن هذا القدر من التغاير لا يمنع من تنافى الأضداد ، وأنه متى كان المحل واحدا كانت المنافاة بين الأضداد حاصلة . وعلى هذا التقدير فإنه يندفع هذا السؤال . ولنرجع إلى تفسير الألفاظ : أما قوله الكلى لا وجود له من حيث هو واحد مشترك فيه في الأعيان فهذا هو الدعوى . وأما قوله : « والا لكانت الانسانية واحدة بعينها مقارنة للأضداد . فهذا هو الدليل الذي ذكرناه . وأما قوله : والأضداد انما يمتنع اقترانها لا لأجل وحدة الاعتبار بل لأجل وحدة الموضوع . فالمراد منه : الجواب عن السؤال المذكور . فان السائل إذا قال : ان تلك الذات مأخوذة مع خواص وأعراض مغايرة لتلك الذات ، مأخوذة مع خواص وأعراض أخرى . فهنا وان حصلت الوحدة بحسب الاعتبار . فلم لا يجوز أن يكنى هذا القدر من التغاير في أن لا تتنافى الأضداد ؟ وأجاب عنه بأن قال : الأضداد انما يمتنع اقترانها ، لا لأجل وحدة الاعتبار بل لأجل وحدة الذات والموضوع . ثم احتج على أن المانع من اقتران الاضداد ليس هو وحدة