فخر الدين الرازي
132
شرح عيون الحكمة
شر كثير : قضية حملية . موضوعها : قولنا : ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل ، ومحمولها : قولنا : شر كثير . فان عنيتم بالشر الكثير الذي جعلتموه محمولا ، هو أنه ترك الخير الكثير ، فيصير محمول القضية غير موضوعها . وهذا الكلام لا فائدة فيه . وان عنيتم بالشر الكثير : الألم الكثير ، فيصير معنى هذا الكلام : ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل : ألم كثير . ومعلوم أنه باطل . لأنه إذا لم توجد هذه الأشياء ، لم يحصل ألم ولا لذة ولا شر ولا سعادة . واعلم : أن هذا الكلام في هذا الباب أيضا طويل . ولنرجع إلى تفسير ألفاظ الكتاب : أما قوله : وإذا قيل خير محض . فنعنى به : كامل الوجود بريء عن المضرة والنقص . فان شر كل شئ نقيصه الخاص به . واعلم : أن المراد منه تفسير الخيرية العائد إلى ذات الشئ وصفاته . وأما قوله : ويقال له خير لأنه يؤتى كل شئ خير وريته . فالمراد منه تفسير الخيرية العائدة إلى الأفعال . وأما قوله : وأنه ينفع بالذات والوصال ، ويضر بالعرض والانفصال . فهو إشارة إلى ما ذكرنا من ( أن ) المقصود بالذات هو تحصيل الخيرات والمنافع أن عالية الراجحة . وأما هذه الآلام والشرور ، فهي انما صارت مقصودة لأنها مغلوبة مرجوحة ومع ذلك فهي من لوازم تلك الخيرات الغالبة . وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل ، شر كثير . فلا جرم صارت هذه الشرور مرادة بالعرض والتبع . وأما قوله : وأعنى بالوصال وصول تأثيره ، وأعنى بالانفصال احتباس تأثيره . فالمراد منه : أن التأثير الأول المطلوب بالذات هو الخير ، وأما ما يكون من اللوازم البعيدة لتلك التأثيرات التي تصير مانعة من وصول آثار تلك التأثيرات الأولى المطلوبة بالذات ، فتلك هي السرور ، وهي داخلة في القضاء الإلهي بالعرض والتبع - كما قررناه -