فخر الدين الرازي
13
شرح عيون الحكمة
ثم إن القائلين بهذا اعتبروا هذه المقدمة طردا وعكسا . أما الطرد فهو أنهم قالوا : لا شك أن نفس الانسان موصوفة بالعلوم والأخلاق ، وقد ثبت أن كل ما كان محلا لغيره ، كان جسما مختصا بالحيز . فالنفس جسم . وأيضا : إذا ثبت أنه سبحانه موصوف بصفات الجلال وكل موصوف بصفة فهو جسم ومختص بحيز ، ينتج : أنه سبحانه كذلك . وأما العكس فهو أن نفاة الصفات قالوا : ثبت أن ذاته سبحانه منزهة عن الوضع والحيز . وكل ما كان كذلك ، امتنع كونه موصوفا بشيء من الصفات ، ينتج : أنه سبحانه غير موصوف بشيء من الصفات . فهذا تقرير هذا الكلام . واعلم : أن تفسير الحلول بما ذكروه باطل . ويدل عليه وجوه : الأول : ان كون الجسم حاصلا في الحيز صفة من صفات الجسم . فلو كان الحلول مفسرا بما ذكروه ، لكان معناه : أن حصول ذلك الجسم في ذلك الحيز ، تبعا لحصول محله فيه . وذلك محال ، لأنه يوجب التسلسل . الثاني : ان بديهة العقول حاكمة بأن الثلاثة فرد ، والأربعة زوج وبديهة العقل حاكمة بأن كون الثلاثة ثلاثة ، وكون الأربعة أربعة . ليس له وضع وحيز ، حتى نقيس « 14 » كونها موصوفة بالفردية والزوجية بذلك . الثالث : ان ذات الاله موصوف بالصفات « 15 » الإضافية بالاتفاق . وهذا القدر يكفى في أبطال قولهم . الرابع : ان الأجسام قد تكون موصوفة بالإضافات . مثل وصف الانسان بالأبوة والبنوة . ولا يقال : معنى كون الجسم موصوفا بهذه الإضافات ، هو أن الإضافة حاصلة في هذا الحيز ، تبعا لحصول محلها فيه . فثبت : أن هذا التفسير الذي ذكروه باطل .
--> ( 14 ) نفس : ص . ( 15 ) بصفات : ص .