فخر الدين الرازي
98
شرح عيون الحكمة
فيه . فان المسافة إذا كانت مملوءة من جرم غليظ ، كانت الحركة فيها أبطأ مما إذا كانت مملوءة من جرم رقيق . والسبب فيه : أنه إذا كان الملاء غليظا ، كان خرق اتصاله أصعب مما إذا كان رقيقا . ومتى كان خرق اتصال ما في المسافة أصعب ، كانت الحركة أبطأ . وإذا عرفت هذا فنقول : لنفرض مائة ذراع من المسافة مملوءة من الماء المتحرك ، يقطعها في عشر ساعات . ولنفرض هذه المسافة كانت خالية خلاء صرفا ، والمتحرك يقطعها في ساعة واحدة . فتكون نسبة زمان الحركة في الخلاء إلى زمان الحركة في الملاء ، نسبة العشر . ولنفرض ملاء آخر أرق من الماء ، بحيث تكون المعاوقة الحاصلة فيه ، عشر المعاوقة الحاصلة من الماء . فهذه المعاوقة عشر المعاوقة الضعيفة في عشر زمان الحركة في الماء . وقد كنا فرضنا أن الحركة في هذه المسافة إذا كانت خالية تحصل في عشر زمان الحركة ، فيلزم أن تكون الحركة مع المعاوقة ، كهى لا مع المعاوقة . وهذا محال . وجميع المقدمات المذكورة في هذه الحجة صحيحة ، الا فرض الخلاء . فعلمنا : أن هذا المحال انما لزم من فرض الخلاء ، وما يلزم منه المحال فهو محال . فالقول بالخلاء محال . وأما القسم الثاني وهو أن تحصل الحركة في الخلاء في زمان غير منقسم ، فهذا محال . لأن كل حركة في الأين ، فهي انتقال من أين إلى أين . فيكون الجزء الأول من الحركة متقدما على الجزء الثاني منها . فيكون زمان تلك الحركة منقسما . لا محالة . هذا تمام تقرير هذه الحجة . وهي ضعيفة جدا . لأنا نقول : الحركة لما هي حركة ، مع قطع النظر عن معاوقة المسافة ، لا شك أنها تستدعى قدرا من الزمان . بدليل : أن الحركة من حيث هي هي ، واقعة على مسافة منقسمة ، فتكون الحركة إلى نصف تلك المسافة متقدمة على الحركة من نصفها إلى آخرها . وأينما حصل معنى التقدم والمتأخر ، فقد حصل الزمان . فثبت : أن الحركة من حيث هي هي ، تستدعى فورا قدرا من الزمان . ثم إن حصل في المسافة شئ من المعاوقة . ولأجل حصول