فخر الدين الرازي

95

شرح عيون الحكمة

وأما قوله : « فلم يكن وقوعه في ذلك الحيز الا اتفاقا » فمعناه ظاهر . لكن هذا انما يلزم لو ثبت أن جميع أجزاء الخلاء متساوية في تمام الماهية . وقد عرفت أنه لم تتقرر هذه المقدمة بكلام يفيد شبهة ، فضلا عن حجة . وأما قوله : « والاتفاق يعرض عن أمور قبل الاتفاق تتأدى إلى الاتفاق ليست باتفاق . فتكون حينئذ أمور سلفت ، أدت إلى تخصيص هذا الحيز » فمعناه : أن الموجبة للأحوال الاتفاقية أمور تتقدمها ، وتلك الأمور لا تكون اتفاقية . ومثاله : أن انسانا خرج من بلده لغرض أن يصل إلى قرية . فاتفق أن عثر في وقت مروره على كنز . فهذا العثور اتفاقي . والموجب لحصوله : هو خروجه عن البلدة إلى القرية . وذلك الموجب ليس باتفاقي . فثبت : أن الأمور الاتفاقية لا بد من انتهائها عند المتصاعد إلى أسباب طبيعية . أما قوله : « فلهذا الجسم في ذاته حيز آخر ، والسؤال فيه عائد » « 9 » فمعناه : أنه لو كان حصوله في الحيز المعين اتفاقيا ، فهذا يقتضى أن يحصل له حيز آخر طبيعي . لما بينا : أن الاتفاقيات مسبوقة بالأمور الطبيعية . لكن أي حيز في الخلاء الذي لا نهاية له ، لو فرض طبيعيا ، فالسؤال فيه عائد بعينه . ولقائل أن يقول : انا قد أوردنا السؤال على هذا الحرف . فانا قلنا : لم لا يجوز أن يكون الموجود من الخلاء ليس الآن القدر الذي حصل فيه العالم ، وأما الخارج عنه فإنه لا خلاء ولا ملاء ؟ ثم وان سلمنا أنه لا نهاية للخلاء ، فلم قلتم : أن جميع أجزاء الخلاء متشابهة ، فإنكم ما ذكرتم عليه حجة ولا دليلا ؟ ثم إن سلمنا ذلك ، فلم لا يجوز أن يكون تخصيص العالم بالحيز المعين من الخلاء بتخصيص الفاعل المختار ؟ ثم إن سلمنا القول بالموجب . ولكن لا نزاع ( في ) أن كل واحد من هذه الأجسام الحيوانية والنباتية ، مختص بحيز معين ومقدار معين وشكل معين ، مع أنه كان يجوز في العقل حصول أضدادها ومعانداتها بدلا عنها . ولا جواب لكم

--> ( 9 ) والسؤال على اختصاص ذلك الحيز ثابت : ع .