فخر الدين الرازي

44

شرح عيون الحكمة

وأن الذبول لا يحصل الا عند انفصال بعض الأجزاء عنه . فإن كان المراد من هذه الحركة هو هذا الاتصال وهذا الانفصال ، فهذا معقول . وان كان المراد غيره ، فهو غير معلوم . المسألة الثالثة في ( بيان الحركة في الكيف ) اعلم : أن الحركة في الكيف هو مثل أن يظهر الضوء الضعيف في الصبح ، ثم لا يزال يتزايد ويقوى إلى أن يظهر الضوء الكامل . ومثل أن يأخذ الحصرم في الحموضة إلى الحلاوة قليلا قليلا ، إلى أن تحصل الحلاوة الكاملة . واعلم : أن هذا وان كان كما قالوه في ظاهر الأمر الا أنه في الحقيقة عبارة عن كيفيات متعاقبة وكل واحد منها فهو في نفسه لا يقبل الأشد والأضعف . وبرهانه : أن الضوء إذا ازداد . فهل حصل عند الازدياد شئ أو لم يحصل ؟ فإن لم يحصل البتة فهو عند الازدياد كما هو قبل الازدياد . هذا خلف . وان حصل أمر زائد فهذا الذي حصل الآن ( هل ) هو عين ما كان حاصلا قبل ذلك أو غيره ؟ فالأول محال ، لأن الذي حدث الآن ما كان حاصلا قبل ذلك والذي كان موجودا قبل ذلك كان حاصلا قبل ذلك فلو كان هذا الذي حدث الآن ، عين ما كان حاصلا قبل ذلك ، لزم أن يصدق على الشئ الواحد انه كان حاصلا قبل ذلك وانه ما كان حاصلا قبل ذلك . وهذا محال . وأما ان كان هذا الذي حدث الآن شيئا مغايرا لما كان حاصلا قبل ذلك فهذا الذي حدث الآن له ماهية مخصوصة والذي كان حاصلا قبل ذلك له أيضا ماهية مخصوصة . فهما ماهيتان حدثتا وتعاقبتا . فثبت : أن هذا الذي يظن به في الظاهر أنه يتزايد ويتكامل قليلا قليلا ، فان معناه في الحقيقة يرجع إلى تعاقب ماهيات مختلفة في آنات متعاقبة . وذلك أيضا يوجب القول بالجوهر الفرد .