فخر الدين الرازي

43

شرح عيون الحكمة

ولقائل أن يقول : لم قلتم : أن السبب ما ذكرتم ؟ ولم لا يجوز أن يكون السبب فيه شيئا آخر مجهولا عندنا وعندكم ؟ أو نقول : لم لا يجوز أن يقال أن أجزاء النارية والهوائية نفذت في جرم الماء ، فازداد جرم الماء لهذا السبب ، ولهذا المعنى انشقت الآنية . أو نقول : لم لا يجوز أن يقال : الأجزاء المائية لما سخنت تصاعدت ، وذهب كل جزء منها إلى جانب آخر ، فلما قوى هذا المعنى عرض انشقاق الآنية ؟ ثم نقول : الذي يدل على فساد هذا المذهب وجوه : الحجة الأولى : أنا بينا انه يمتنع أن يكون المقدار حالا في محل ، بل هو جوهر قائم بنفسه فزواله يكون فناء لذلك الجسم المخصوص . الحجة الثانية : ان نسبة المادة إلى المقادير الصغيرة والكبيرة ، لما كانت على السوية ، كان بقاء الجسم على مقداره المخصوص ممكنا متساويا ، والممكن المتساوى لا يكون دائما ولا أكثريا . فيلزم أن يكون بقاء كل جسم على مقداره المعين غير دائم وغير أكثرى . الحجة الثالثة : ان الآنية إذا كانت ضيقة الرأس ، ثم مصصناها وبالغنا في المص ، فإنها ربما انكسرت إلى الداخل . ومذهبكم أنها انما انكسرت لأنه بالمص خرج بعض ما كان فيها من الهواء ، إلى أن صار بحيث لو خرجت البقية لزم الخلاء . ولو كان التخلخل على الوجه الذي ذكرتم ممكنا ، لوجب أن لا تنكسر القارورة البتة ، إذا مصصنا بعض ما كان فيها من الهواء ، فالقدر الباقي ينبسط ويصير داخل القارورة بذلك المنبسط مملوءا . فإذا مصصنا مرة أخرى بعض ذلك المنبسط ، صارت البقية منبسطة مرة أخرى . وعلى هذا التقدير لا يلزم الخلاء البتة ، فوجب أن لا تنكسر القارورة البتة . الحجة الرابعة : ان الجسم إذا زاد مقداره فإنما يعلم أن القدر الزائد ذات قائمة بالنفس ، فالقول بأن الزائد مجرد الصفة مكابرة في البديهيات . وأما النوع الثاني من الحركة في الكم . وهو النمو والذبول . فههنا قد سلموا أن النمو لا يحصل ، الا إذا اتصلت أجزاء الغذاء بالمغتذى ،