فخر الدين الرازي

233

شرح عيون الحكمة

فإنه حينئذ يمنع تلك المقدمة ، فيحتاج المجيب مرة أخرى إلى أن يذكر قياسا ، ينتج صحة تلك المقدمة ، وحينئذ يعلم السامع أن موضع الالزام هاهنا أيضا - أي مقدمة - وبهذا الطريق يطول الكلام ، ويعظم الخصام ، ولا يكاد يظهر توجه الالزام والافحام بوجه ، على واحد منهما . والثالث في الترجيح : أن المستدل إذا قرأ دليل نفسه و ( كان ) ذلك الدليل مركبا من مقدمات كثيرة ، فهو لا يدرى أنها مسلمة أو ممنوعة . فكان بناء الغرض عليها فاسدا . لأن بتقدير أن يمنع الخصم تلك المقدمات ، فان منعها الخصم سكت ولم يبن عليها غرضا ، وان سلمها فحينئذ يبنى عليها غرضه . وبهذا التقدير لا يصير شئ من أعماله ضائعا عبثا . فثبت : أن عرف القدماء في الناظرات أكمل من عرف هذا الزمان . المسألة السادسة في ( أحوال المشهورات وشرائطها ) لما بينا : أن الجدلي انما يركب قياسه عن المشهورات ، وجب علينا أن نبحث عن أحوال هذه المشهورات وشرائطها . وهي كثيرة . إلا أنا نذكر بعضها في هذا المختصر : فالأول : ان تلك المشهورات لا بد وأن يكون انتاجها للمطلوب بحيث يفي المجلس الواحد ببيانه ، حتى يحصل إما الاقناع وإما الغلبة . فإن لم يكن كذلك ، بل كان انما يتم لمخاطبات لا يحصل المقصود منها الا في مجلسين أو أكثر ، لم يجز جعل هذه المخاطبة جدلية ، بل الأولى جعلها تعليمية . لأن المقصود إذا كان هو الاقناع أو الغلبة ، فهما مقصودان خسيسان . فتوقفهما على الأمور الكثيرة التي لا تتم الا بالأيام والمجالس يكون عبثا . الثاني : يجب على الجدلي أن يجمع المشهورات ويحفظها ، ويحفظ أضدادها ونقائضها . فان الأغلب أن ضد المشهور يكون شنيعا ، ينتفع به في قياس الخلف في الجدل .