فخر الدين الرازي

232

شرح عيون الحكمة

الوجه الأول : ان هذا السائل لا يمكنه تسليم كل واحدة من المقدمات ، الا إذا كان ماهرا في أمرين : أحدهما : أن يكون ماهرا في تمييز كل مقدمة عن غيرها ، واقفا ( على ) ما به تنفصل كل واحدة من تلك المقدمات عن غيرها . والثاني : أن يكون ماهرا في تركيب القياسات عن المقدمات . وبالجملة : فلا بد وأن تكون جميع المقدمات النافعة والضارة له ، حاضرة في خياله ، وأن يكون شديد القدرة على تركيب القياس كيف شاء وأراد . وأما المجيب فلا بد وأن يكون محيطا بجميع مسائل ذلك العلم ، حتى إذا سئل عن مقدمة ، علم أنه إن سلمها ، ففي أي مسألة يضره تسليمها ، وفي أي مسألة ينفعه منعها . ومعلوم أن مثل هذا السؤال والجواب لا يتأتى الا من الماهر في الصناعة ، المحيط بجميع أجزائها ولوازمها القريبة والبعيدة . وأما مناظرات أهل هذا الزمان . فالمجيب يقرأ دليله ، مع أنه لا يعلم أن دليله من كم مقدمة تركب ؟ والسائل ما لم يسمع ذلك الدليل ، فإنه لا يقف على الموضع الذي يضره ، والموضع الذي ينفعه . فكان ذلك دليلا على غاية ضعف هذا المجيب وهذا السائل في تلك الصناعة . والوجه الثاني في الترجيح : أن الالزام والافحام يحصلان - على القانون القديم - في زمان قصير . لأن المجيب إذا سمع مقدمة ، فإن لم يسلم الطرق النافعة للسائل ، بقي السائل ساكتا ، وان سلم الطرق النافعة ، فحينئذ يركب السائل قياسا من تلك المسلمات ، ينتج ابطال مذهب المجيب ، ويصير المجيب منقطعا في الحال . فظهر أن المناظرة على هذا الوجه سريعة الافضاء إلى انقطاع أحد الخصمين . فأما بحسب عرف هذا الزمان . فالمجيب يقرأ دليله بتمامه ، وإذا سمع السائل ذلك ، وعرف أن موضع الالزام انما جاءه من المقدمة الفلانية ،