فخر الدين الرازي
203
شرح عيون الحكمة
وأما قوله : الأشياء المساوية لشئ واحد متساوية . فكذلك . لأن الأشياء إذا كانت مساوية لشيء واحد ، كانت حقيقة تلك الأشياء ، وحقيقة ذلك الشيء الواحد : واحدة . ولو لم تكن تلك الأشياء متساوية لم تكن حقيقتها واحدة . وحينئذ يلزم في تلك الأشياء وحقيقة ذلك الشيء الواحد ( أن تكون ) واحدة ولو لم تكن تلك الأشياء متساوية لم تكن حقيقتها واحدة . وحينئذ يلزم في تلك الأشياء أن تكون حقيقتها واحدة ، وأن لا تكون حقيقتها واحدة . فيلزم الجمع بين الوجود والعدم . وإذا ثبت هذا فنقول : جزم العقل بهاتين القضيتين انما كان بواسطة تلك القضية الأخرى ، فلم تكن هاتان القضيتان من الأوليات . وهذا كله من القضايا المستفادة من العقل . * * * وأما المستفادة من الحس . فهي المحسوسات وهي كقولنا : الشمس مضيئة ، والنار حارة . وفيه سؤالات : السؤال الأول : ان الحواس كثيرة الأغلاط . فان البصر قد يدرك المتحرك ساكنا ، والساكن متحركا . فان الجالس في السفينة قد يتخيل السفينة واقفة والشط متحركا ، مع أنه بالعكس . وقد يرى الكبير صغير أو الصغير كبيرا ، وإذا كان الأمر كذلك ، احتيج في تمييز صوابها عن خطئها إلى حاكم آخر يحكم عليها . وحينئذ لا يكون الحس حاكما أولا ، بل الحاكم الأول هو العقل . السؤال الثاني : ان الحس لا يعطى الحكم الكلى بل الجزئي والحكم الجزئي لا ينتفع به لا في الحدود ولا في البراهين . فإنه لا حد للفاسدات ، ولا برهان على الفاسدات . اللهم الا أن يقال : الاحساس بالجزئيات يعد النفس لقبول صورة كلية من المفارقات ، الا أن تلك الصورة الكلية تكون عقلية لا حسية . فظهر بهذا أن قول « الشيخ » في مثال المحسوسات : انها كقولنا : الشمس مضيئة ، والنار حارة ، ليس كما ينبغي . وذلك لأن قولنا : الشمس مضيئة ، قضية كلية . والحس لا يدرك الكليات . فأما قولنا : هذه الشمس مضيئة ، فهي محسوسة . وكذلك الكلام في قولنا : النار حارة .