فخر الدين الرازي

132

شرح عيون الحكمة

أصلا ، الا بحسب سبب منفصل عن الذات . ومثل هذا لا نسميه ضروريا ، ولكنه في الحقيقة غير خال عن الضرورة . لأنه لما ثبت في الحكمة أن الشئ يجب أولا ، ثم يوجد ثانيا . فهذا الشئ لما وجد علمنا أنه كان قد وجب أولا عن سبب من خارج . هذا كله بيان اقسام الضرورة السابقة على الوجود . وأما ( القسم الثاني . وهو ) الضرورة اللاحقة للوجود « 14 » المرتبة عليه : فهذا هو الذي يسمى ضروريا بحسب المحمول . وتحقيق القول فيه أن يقال : ان الشئ اما أن يكون موجودا أو معدوما . فإن كان موجودا فوجوده ينافي عدمه ، لأن الشئ الواحد في الحال الواحد لا يكون موجودا ومعدوما معا . وإذا كان وجوده منافيا لعدمه ، كان أيضا منافيا لامكان عدمه . ومنافاة امكان العدم هو ضرورة الوجود . فثبت : أن كونه موجودا يقتضى أن يكون واجب الوجود ، وان كان معدوما فعدمه ينافي وجوده ، فوجب أن يكون منافيا لامكان وجوده ، فيقتضى وجوب عدمه . فثبت : أن كونه معدوما يقتضى أن يكون واجب العدم . فظهر بهذا : صدق قولنا : « زيد » بالضرورة يمشى ، ما دام يمشى . فهذا تحقيق الكلام فيه . ومن البله المغفلين من قال : قول القائل : زيد بالضرورة يمشى ما دام يمشى ، من باب ايضاح الواضحات . ومثل هذا لا يليق ذكره بالعقلاء ، وبايداعه في الكتب . وزعم : أن هذا يجرى مجرى العبث العظيم . واعلم : أنه ليس المقصود من ذكر هذا المعنى تعريف أن الأمر كذلك ، بل المقصود منه شئ آخر ، وهو أنه قد يقع الاشتباه في شئ معين ، أنه هل هو ضروري الثبوت أم لا ؟ فبعضهم ينفى كونه ضروري الثبوت بحسب الضرورة السابقة ، وآخر يثبت كونه ضروري الثبوت بحسب الضرورة اللاحقة ، وحينئذ يشتد الخصام ويقوى النزاع . وأما من كان

--> ( 14 ) للحصول : ص .