فخر الدين الرازي
133
شرح عيون الحكمة
عارفا بالفرق بين هذين النوعين من الضروري ، فإنه لا يشتبه عليه ذلك ومثاله : انا إذا أثبتنا بالبرهان أن العالم ممكن الوجود لذاته ، فربما قال السائل : هذا محال . لأن العالم إن كان موجودا فهو حال وجوده يكون واجب الوجود ، وواجب الوجود لا يكون ممكن الوجود . وان كان معدوما فهو حال عدمه يكون ممتنع الوجود ، وممتنع الوجود لا يكون ممكن الوجود . فإذا كان لا حال له سوى الوجود والعدم ، وبين أن كل واحد منهما ينافي كونه ممكنا ، ثبت : أن القول بالامكان محال . فنجيبه : بأن الذي ادعيناه ( هو ) نفى الوجوب السابق على الوجود الذي ادعيتموه ( وهو ) اثبات الوجود المتأخر عن الوجود المرتب عليه . ولا منافاة بين البابين . ولولا حصول العلم بالفرق بين الوجوب السابق والوجوب اللاحق ، والا لما أمكن دفع هذه العقدة . المسألة الثامنة : الامكان قد نعنى به سلب الضرورة عن أحد الطرفين . فان سلبنا الضرورة عن طرف العدم ، عبرنا عنه بقولنا : يمكن أن يكون ، بمعنى : انه لا يمتنع وجوده . وحينئذ يدخل فيه الواجب لذاته . وان سلبنا الضرورة عن طرف الوجود ، عبرنا عنه بقولنا : يمكن أن لا يكون ، بمعنى أنه لا يمتنع عدمه وحينئذ يدخل فيه الممتنع لذاته . وهاهنا دقيقة : وهي أنه لا يلزم من صدق قولنا : يمكن أن يكون - بهذا التفسير - صدق قولنا : يمكن أن لا يكون - بهذا التفسير - وذلك ظاهر عند التأمل . وهذا المعنى هو المسمى بالامكان العام . وقد نعنى به سلب الضرورة عن الطرفين معا بحسب الذات فيكون معنى قولنا : يمكن أن يكون وأن لا يكون : هو أنه لا ضرورة بحسب الذات لا في الوجود ولا في العدم . ولكن تدخل فيه الضرورة بحسب الوصف وبحسب الوقت . وهذا المعنى هو المسمى بالامكان الخاص . وقد نعنى به سلب الضرورة بحسب الذات وبحسب الوقت . وهذا هو المسمى بالممكن الأخص . واعلم : أن من وقف على هذه المقدمات الثلاث ، علم بالضرورة : أن هذا الثالث أخص من الثاني ، وأن الثاني أخص من الأول .