فخر الدين الرازي
130
شرح عيون الحكمة
أكثرى الثبوت ، وقد يكون متساوي الثبوت ، وقد يكون أقلى الثبوت ، وقد يكون دائم العدم . المسألة السادسة : المنطقيون سموا الوجوب والامتناع والامكان بالجهات . وتحقيق الكلام فيه : أن هذه المفهومات الثلاثة ليست ماهيات مستقلة بأنفسها قائمة بذواتها . فانا نعقل موجودا يكون في نفسه سوادا أو بياضا أو حجرا أو مثلثا ، لكن لا نعقل موجودا يكون في نفسه مجرد أنه وجوب أو امتناع أو امكان . والعلم بذلك بديهي . وإذا عرفت هذا فنقول : أنا إذا أسندنا أمرا إلى أمر بالنفي أو بالاثبات ، فأحد الأمرين هو الموضوع والثاني هو المحمول . وذلك الاسناد هو الارتباط . ثم إن ذلك الارتباط يجب أن يكون اما على سبيل الوجوب أو الامتناع أو الامكان . وهذه المفهومات الثلاثة صفات لذلك الارتباط ، وكيفية من كيفياته ، ونعت من نعوته . وهذا هو المراد من قولنا : ان هذه المعاني جهات للقضايا . المسألة السابعة : ضرورة الايجاب وضرورة السلب مشتركتان في مسمى الضرورة . والأحكام المذكورة للضرورة تكون حاصلة في كل واحد من هذين القسمين . فنقول : لكل شئ ضرورتان : إحداهما : المتقدمة بالمرتبة على الوجود . والثانية : المتأخرة بالمرتبة عن الوجود . أما القسم الأول : فنقول : كل محمول حصل لموضوع ، فان ذلك الحصول يجب أن يكون مسبوقا بالضرورة . فإنه ثبت في الحكمة : أن الشئ ما لم يجب لم يوجد . فنقول : المقتضى لتلك الضرورة : اما ذات الموضوع ، أو صفة من الصفات القائمة به ، أو وقت من أوقات وجوده ، أو قسم رابع مغاير لهذه الأقسام الثلاثة . أما القسم الأول : فهو أن تكون ذات الموضوع علة لكون ذلك المحمول ضروري الثبوت له - وهذه هي الضرورة الذاتية الحقيقية - ويجب أن نعلم أن كل ما كان ضروريا بهذا التفسير ، فإنه يكون دائما . ولا ينعكس . ثم نقول : تلك الذات إن كانت واجبة التحقق أزلا وأبدا ، كان ذلك المحمول كذلك ، وان لم يكن كان المحمول واجب الثبوت للموضوع في جميع زمان وجوده . كقولنا : الجسم يجب أن يكون حاصلا في الحيز . وأما القسم الثاني : وهو أن يكون المقتضى لتلك