ابن باجة
125
كتاب النفس
المعتدل لأن المعتدل هو بوجه ما ولا واحد من الطرفين بالقوة . فلذلك كانت آلة اللمس معتدلة من الحار والبارد والرطب واليابس . ولذلك لما ظنّ جالينوس أن اليد هي آلة اللمس حكم بأن جلدة اليد هي المعتدلة بين الأطراف . فنقل ما للجسم الذي فيه القوة اللامسة إلى بعض آلات اللمس . وهذا الجسم هو الحار الغريزي . ولما لم يكن فيه الاعتدال لذلك وصلته الأجسام التي يسميها أرسطو سيلا ويسميها جالينوس عصبا لأنها تأتي بالبرودة النفسانية من الدماغ . ولذلك أيّ عضو لم يتصل به سيل من الدماغ لم يكن فيه لمس ، ولذلك لا يلمس الكبد ولا الكلى ولا العروق الضوارب وهي مملوءة من الروح الغريزي . فأما كيف تكون برودة نفسانية ؟ وذلك قد تبين خلافه . فإن آلة النفس هي الحار الغريزي . فإن البرودة تقال على الأطراف وعلى الأوساط ، والتي في الدماغ لا يمكن أن تكون طرفا ، فإنما هي وسط وهو ما بين المعتدل والطرف . وإنما يكون الوسط وسطا يخالطه الضد ، فتلك البرودة تخالطها حرارة نفسانية . ولذلك تصير الحرارة إلى الدماغ من القلب في الشرائين وتصير عليه الشبكة المشيمية لتسكّنه هذه الحرارة المعتدلة لبرودتها ، وبها تكون في تلك الرتبة . فهي نفسانية من جهة ما هي حرارة لا من جهة أنها هي بالرتبة تلقب بالطرف . وقد يتشكك على حاسة اللمس . منها أن كل حاسة فإنها متحركة عن المحسوس حسب ما تلخص القول المجمل في الحس « 1 » . والمحرك منه قريب ومنه بعيد ، ومنه بالذات ومنه بالعرض . والبعيد الذي هو المحسوس ، والقريب
--> ( 1 ) راجع أرسطو : De Sensu . VI . 446 a 21 .