ابن باجة
116
كتاب النفس
والمشموم الأوّل هو الرائحة . فلنقل ما الرائحة . فأما أن كل ذي رائحة فهو ممتزج فكذلك تبين عند تصفح الأجسام . فالامتزاج « 1 » يتقدم الرائحة في الجسم بالطبع . فأما أنه ، مع أنه مقدّم بالطبع ، ذاتيّ فبيّن أيضا عند تصفح الرائحة وتولدها ، كما عرض ذلك في ( ورقة 158 ب ) الألوان ، فإن التصفح انما وقع لبعضها ووقع اليقين في الكل . والأمر في أمثال هذه ، على ما يقوله أبو نصر ، انها إنما تصير يقينية في زمان وهي مباينة للأزمان في الكثرة والقلة ، فإنا نشاهد في الصيف في بعض البلاد ترابا ليس له رائحة فإذا حدث عليه قطر المطر حدثت له الرائحة عند ملاقاة المطر له ، ولا سيما متى كان المطر من سحاب قريب فإنه عند ذلك يكون حارّا وربما كان ثلجا . وكذلك أيضا يتقدم بالطبع وجود الطعم في ذي الرائحة الرائحة فتكاد الرائحة أن تكون هي طعما ، ولذلك تعرف طعوم أشياء كثيرة من روائحها . وأكثر الحيوان غير الناطق إنما يستعمل هذه الحاسة في معاشه « 2 » كما يوجد ذلك في النسر وفي الكلاب وفي الدواب . فإن الخيل تنصرف عن أغذيتها إذا اقتربت بها « 3 » رائحة غير رائحتها الطبيعية . ولذلك كانت هذه الحاسة في غير الإنسان قوية وكانت في الإنسان ضعيفة « 4 » لأن الحيوان إليها أحوج . ومن شأن هذه في كثير من الحيوان أن لا يحس « 5 » حتى يستنشق « 6 » وهو
--> ( 1 ) هذا الرأي أيّده ابن رشد كما يظهر من تلخيص كتاب النفس ، الأهواني ، ص 39 ، حيدرآباد ، ص 34 . ( 2 ) راجع أرسطو : De Sensu . 5 . 443 b 24 sq : 444 b 1 - 14 : 30 - 445 a . ( 3 ) لعل الصواب : إذا اقترنت بها ، أو إذا اقتربت منها . ( لجنة المجلة ) ( 4 ) راجع أرسطو : De An . ii . 9 . 421 a 9 ( 5 ) المخطوطة : لا يحسى . ( 6 ) راجع أرسطو : De An . ii . 7 . 419 b 1 .