فخر الدين الرازي
84
شرح الفخر الرازى على الاشارات
فرغ عنه وانما هذا القسم في أصل وضعه مما ليس يمكن أن يكون الخير الكثير يتعلق به الا وهو بحيث يلحقه شر بالضرورة عند المصادمات الحادثة فإذا برئ عن هذا فقد جعل غير نفسه وكان النار جعلت غير النار والماء غير الماء وترك وجود هذا القسم وهو على صفته المذكورة غير لائق بالجود على ما بينا ) التفسير هذا سؤال ثان على القاعدة المذكورة في كيفية دخول الشر في القضاء الإلهي وهو انه تعالى لم لم يميز الخير الكثير عن ذلك الشر القليل والجواب ان الذي يمكن أن يكون خيرا خالصا هو القسم الأول وذلك قد وجد وبقي في التقسيم قسم آخر وهو الذي لا ينفك عن شر ما البتة ولكن خيره غالب على شره فهذا القسم لو برأه عما فيه من الشر لما كان هذا القسم بل صار عين القسم الأول لكنا قد دللنا على أن هذا القسم الثاني يجب في الحكمة ايجاده ولا يليق بالجود اهماله ( وهم وتنبيه [ في إزالة ما يوهم من قبح العقاب على ما يصدر على سبيل الوجوب ] ولعلك تقول أيضا فإن كان القدر فلم العقاب فتأمل جوابه ان العقاب للنفس على خطيئتها كما ستعلم هو كالمرض للبدن على تهمه فهو لازم من لوازم ما ساق اليه الأحوال الماضية التي لم يكن من وقوعها بد ولا من وقوع ما يتبعها وأما الذي أن يكون على جهة أخرى من مبتدأ له من خارج فحديث آخر ثم إذا سلم معاقب من خارج فان ذلك أيضا يكون حسنا لأنه قد كان يجب أن يكون التخويف موجودا في الأسباب التي تثبت فتنفع في الأكثر والتصديق تأكيد للتخويف فإذا عرض من أسباب القدران عرض واحد مقتضى التخويف والاعتبار فركب الخطأ وأتى بالجريمة وجب التصديق لأجل الغرض العام وان كان غير ملائم لذلك لواحد ولا واجب من مختار رحيم لو لم يكن هناك الا جانب المبتلى بالقدر ولم يكن في المفسدة الجزئية له مصلحة كلية عامة كثيرة لكن لا يلتفت لفت الجزئي لأجل الكلى كما لا يلتفت لفت الجزء لأجل الكل فيقطع عضو ويؤلم لأجل البدن بكليته ليسلم وأما ما يورد من حديث الظلم والعدل ومن حديث أفعال يقال إنها من الظلم وأفعال مقابلة لها ووجوب ترك هذه والاخذ بتلك على أن ذلك من المقدمات الأولية فغير واجب وجوبا كليا بل أكثره من المقدمات المشهورة التي جمع عليها ارتياد المصالح ولعل فيها ما يصح بالبرهان بحسب بعض الفاعلين وإذا حققت الحقائق فليلتفت إلى الواجبات دون أمثالها وأنت قد عرفت أصناف المقدمات في موضع آخر ) التفسير قال صاحب الصحاح يقال لا يلتفت لفت فلان أي لا ينظر اليه ثم نقول هذا السؤال ظاهر وهو انه إذا كان الكل بقضاء اللّه وقدره فلا يكون الانسان فاعلا لشيء من الافعال فكيف يجوز تعذيبه وعقابه وأجاب عنه من وجهين أحدهما الجواب المستقيم على أصول الفلاسفة وهو ان العقاب من لوازم الأحوال النفسانية التي اكتسبها الشخص في الدنيا فإنه لما اكتسب العقائد الباطلة والاخلاق الرديئة وهذه الأشياء توجب العذاب الشديد عند انقطاع النفس عن البدن لا جرم حصل ذلك العذاب على سبيل الضرورة كالمرض فإنه لازم للتدبيرات الرديئة السالفة وثانيهما ان اللّه تعالى يختار تعذيب المكلف وهذا لا يتأتى الا مع القول بالفاعل المختار والفلاسفة لا يقولون به وهذا هو المراد من قوله واما أن يكون على جهة أخرى من مبتدأ له من خارج فحديث آخر ثم إنه ان قرر الجواب بناء على هذا الأصل وقال الوجه في حسنه انه كان يجب أن يكون التخويف موجودا فيما بينا لأنه لولا خوف العقاب لما انزجر الخلق عن القبائح والتصديق مؤكد للتخويف فلهذا الغرض حسن من