فخر الدين الرازي
70
شرح الفخر الرازى على الاشارات
عليها وأما الثاني فباطل لان علمه تعالى بان ذاته علة للشيء الفلاني علم بإضافة مخصوصة بين ذاته وبين ذلك الشيء والعلم بإضافة أمر إلى أمر مسبوق بالعلم لكل واحد من المضافين فلو كان العلم بذلك المعلول مستفادا من العلم بتلك الإضافة لزم الدور وانه محال ( إشارة [ إلى بيان ما للادراك من الاعتبارات ] ادراك الأول للأشياء من ذاته في ذاته هو أفضل انحاء كون الشيء مدركا ومدركا ويتلوه ادراك الجواهر العقلية للأول باشراق الأول ولما بعده منه في ذاته وبعدهما الادراكات النفسانية التي هي نقش ورسم عن طبائع عقلي متبدد المبادى والمناسب ) التفسير مراتب العلوم ثلاثة فالمرتبة الأولى علم اللّه تعالى وهو أشرف العلوم وعلمه بذاته علة لعلمه بما بعده على ما مر تقريره المرتبة الثانية علم العقول بعللها ومعلولاتها أما علمها بعللها فليس ذلك لها من ذواتها بل من عللها لان الفلاسفة زعموا أن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول وأما العلم بالمعلول فإنه لا يوجب العلم بالعلة فلأجل القضية الأولى قالوا إن علم الباري تعالى بذاته علة لعلمه بغيره لان ذاته علة لغيره والعلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول ولأجل القضية الثانية قالوا إن علم المعقول بعللها غير لازمة لها لذواتها بل فائضة عليها من عللها وبيان هذا الفرق على قانون قولهم ان العلة لذاتها المخصوصة موجبة للمعلول المخصوص فلا جرم متى عرفت العلة نفسها لزم من علمها بذاتها المخصوصة علمها بذلك المعلول واما المعلول فافتقاره إلى العلة ليس الا لامكانه والامكان لا يحوج إلى تلك العلة المعينة والا لافتقر كل ممكن إلى تلك لعلة ولما كان ممكن علة لممكن ولما كان ذلك باطلا علمنا أن الامكان لا يحوج الا إلى مطلق العلة والمرجح وأما تعين العلة فلا يكون الا من جانب العلة يعنى أنه لما حصلت تلك العلة وهي لذاتها موجبة لهذا المعلول استند هذا المعلول إليها لكونها موجبة له لا لافتقاره إليها وإذا كان كذلك فالمعلول لزم من علمه بذاته علمه لكونه ممكنا ويلزم من علمه بكونه ممكنا علمه بان له علة لان كل ذلك من لوازم ذاته فاما تعين العلة فلما لم يكن من لوازم ذاته لا جرم لم يلزم من علمه بنفسه المعينة علمه بعلته المعينة وظهر أن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول والعلم بالمعلول لا يوجب العلم بالعلة فثبت أن علم العقول بعللها ليس لها من ذواتها وأما علمها بمعلولاتها فلها ذلك من ذواتها ولقائل أن يقول هذا لا يستقيم على أصولكم لان عندكم في كل عقل اعتبارات ثلاثة وجوبه بغيره ووجوده وامكانه ثم اسندتم إلى هذه الثلاثة عقلا أو نفسا وفلكا فإذا زعمتم أن علم العقل بالمعلول مستفاد من علته لزم ان تثبتوا في العقل الذي هو العلة اعتبارا رابعا ليكون مسندا لذلك المرتبة الثالثة علم النفوس وتلك العلوم انما تحصل فيها عن فيض العقول ولكن تلك العلوم غير باقية بل حادثه حاصلة بحسب استعدادات مختلفة المبادى والمناسبات ولترجع إلى التفسير أما قوله ادراك الأول للأشياء من ذاته في ذاته أفضل انحاء كون الشيء مدركا ومدركا والمراد منه ظاهر وهو تصريح بان ذاته تعالى قابلة لتلك الصور وفاعلة لها وهو رجوع عن قولهم المشهور في امتناعه وأما قوله ويتلوه ادراك الجواهر العقلية للأول لاشراق الأول ولما بعده من ذاته فالمراد ما ذكرنا من أن ادراك العقل لماله أولى أي لعلته باشراق الأول وأما ادراكه لما بعده أي لمعلولاته فمن ذاته وأما قوله وبعدهما الادراكات النفسانية التي هي نقش ورسم عن طبائع عقلي متبدد المبادى والمناسب فالمراد منه