فخر الدين الرازي
71
شرح الفخر الرازى على الاشارات
ظاهر وانما جعل تلك الادراكات نقشا ورسما لأنها أمور حادثة فهي كالنقوش الطارئة على اللوح مادة والزائلة عنه أخرى ( وهم وتنبيه [ في دفع ما يقال إن تقرر المعقولات وهي صور متباينة ينافي وحدة الواجب حقيقة ] ولعلك تقول ان كانت المعقولات لا تنحد بالعاقل ولا بعضها مع بعض كما ذكرت ثم قد سلمت أن واجب الوجود يعقل كل شيء فليس واحدا حقا بل هناك كثرة فنقول انه لما كان تعقل ذاته بذاته ثم يلزم قيوميته عقلا بذاته لذاته أن يعقل الكثرة جاءت الكثرة لازمة متأخرة لا داخلة في الذات مقومة بها وجاءت أيضا على ترتيب وكثرة اللوازم من الذات مباينة أو غير مباينة لا تسلم الوحدة والأول يعرض له كثرة لوازم إضافية وغير إضافية وكثرة سلوب وبسبب ذلك كثرة الأسماء لكن لا تأثير لذلك في وحدانية ذاته ) التفسير هذا سؤال جيد وتقريره انك إذا قلت اللّه تعالى يعلم جميع الماهيات والعلم عبارة عن حصول صورة المعلوم عند العالم فقد حصل في ذاته صور المعلومات بأسرها ثم زعمت أن العالم لا يتحد بالعلم فلزمك أن يكون ذات اللّه تعالى محلا لتلك الصور الكثيرة الغير المتناهية وحاصل جوابه أنه التزم ذلك وبين أنه لا يلزم منه محذور لان الدلالة انما دلت على تنزه ذات اللّه تعالى عن الكثرة فأما انه لا يكون في لوازمه كثرة فذلك مما لم يثبت بالدلالة أصلا وقد بينا أن علمة بالأشياء من لوازم علمه بذاته فتكون الكثرة الحاصلة بسبب علمه بالأشياء كثرة في لوازم ذاته وكثرة اللوازم لا توجب الكثرة في الملزوم فان الوحدة التي هي أبعد الأشياء عن طبائع الكثرة يلزمها لوازم غير متناهية من كونها نصفا للاثنين وثلثا للثلاثة وربعا للأربعة وهلم جرا إلى ما لا نهاية له ثم قال بعد ذلك والأول يعرض له كثرة لوازم إضافية وغير إضافية وكثرة سلوب وبسبب ذلك كثرة أسماء أي تأثير لذلك في وحدانية ذاته وأقول إن هذا الكلام يدل على رجوع الشيخ عن مذاهب الفلاسفة في مسئلتين من أمهات المسائل إحداهما أن المشهور من قولهم ان البسيط لا يكون قابلا وفاعلا معا وهاهنا اعترف الشيخ بان المؤثر في تلك الصورة العقلية ذاته تعالى والقابل لها أيضا ذاته فالبسيط هناك قابل فاعل وثانيهما أن المشهور من مذهبهم أنه ليس للّه تعالى من الصفات الا الإضافات والسلوب وهاهنا اعترف بان للّه تعالى كثرة لوازم إضافية وغير إضافية وكثرة سلوب فاثبت للّه تعالى صفات ثبوتية غير إضافية وكيف يمكنه أن لا يعترف بذلك وعنده ان اللّه تعالى عالم بالماهيات والعلم بالأشياء عنده عبارة عن حصول صورها في العالم وتلك الصور ليست مجرد إضافات لان من مذهبه أن الصور الحاصلة عند العقل مساوية لماهية العقول والمساوى للجواهر والكميات والكيفيات في تمام ماهياتها كيف يكون مجرد إضافات فظهر أن الفلاسفة لا يمكنهم ادعاء تنزيه اللّه تعالى عن الصفات الحقيقية * المسألة السادسة في كيفية علم اللّه تعالى بالجزئيات وفيها فصول أربعة واعلم أن الجزئيات قد يعلمه على وجه لا يلزم من تغير المعلوم تغير المعلوم لغير العلم به وتعلم أيضا على وجه يلزم ذلك التغير عند تغير المعلوم والشيخ تكلم أولا في تحقيق كل واحد من هذين النوعين ثم اشتغل