فخر الدين الرازي
98
شرح الفخر الرازى على الاشارات
ثم إذا فنشت وأجدت التأمل وجدتها قد تعرى عن جميع القوى الفعالة الا الحرارة والبرودة والمتوسط الذي يستبرد بالقياس إلى الحار ويستسخن بالقياس إلى البارد وعنى بهذا انك تجد في كل باب منها إذا اعتبرته أن جسما يوجد عديما لجنسه مثلا يكون ولا لون فيه ولا رائحة ولا طعم أو وجدته منتميا إلى الحرارة أو البرودة مثل اللدغ أو التحذير وكذلك الحال في الهيئة المعدة إلى الانفعال فان التفتيش يلزم أجسام العالم التي تلينا رطوبة أو يبوسة لأنها اما أن يسهل تفرقها واتصالها وتركها للشكل من غير ممانعة فتكون رطبة أو تصعب فتكون يابسة وأما التي لا يمكن فيها ذلك أصلا فلغيرها من الأجسام وأما سائر ما يشبه ذلك فقد تعرى عنها جسم أو ينتمى إلى هاتين انتماء اللين والصلابة واللزوجة والهشاشة وغير ذلك ) التفسير قال الشارح رضى اللّه عنه وأرضاه لما فرغ من الكلام في اجرام السماوات شرع بعد ذلك في الكلام على الأجسام العنصرية وذكر في هذا الفصل القوى الأولية التي بها يتم الفعل والانفعال من الأركان واعلم أن الشيخ عد هاهنا قوى كثيرة وجعل بعضها مهيئة نحو الفعل وجعل بعضها مهيئة نحو الانفعال فيجب علينا أن نتكلم في أمور أحدها في حقيقة القوة وقد مضى الكلام فيها وثانيها أن نتكلم في القوى المهيئة للفعل والقوى المهيئة للانفعال واعلم أن القوة ليست هي الفاعلة للفعل ولا المنفعلة للانفعال بل الفاعل هو الذات التي قامت القوة بها وكذا المنفعل فالمحرق هو النار لا الحرارة والمحرقة هو القطن لا القوة القائمة به ولكن تهيؤ الذات اما للفاعلية أو للمنفعلية لا بد وأن يكون لأجل هذه القوى القائمة بها فهذه القوى تكون مهيئة للذوات نحو الفعل والانفعال أي يكون عللا لتهيؤ الذات الفاعلية أو لتهيئها للمنفعلية فهذا هو المراد من القوة المهيئة نحو الفعل والقوة المهيئة نحو الانفعال وثالثها تعريف القوى المذكورة في هذا الموضع أما القوى الفعلية فست الحرارة والبرودة واللدغ والتحذير والطعم والرائحة وأما الانفعالية فست أيضا الرطوبة واليبوسة واللين والصلابة واللزوجة والهشاشة فنقول ذكر الشيخ في الحدود ان الحرارة كيفية فعلية محركة لما يكون فيه إلى فوق لاحداثها الخفة فيعرض أن تجمع المتجانسات وتفرق المختلفات وتحدث تخلخلا من باب الكيف وتكاثفا من باب الوضع لتحليله وتصعيده اللطيف واعلم أن التخلخل قد يعنى به رقة القوام فحينئذ يكون من باب الكيف والتكاثف المقابل له الغلظ وقد يعنى به انفشاش الاجزاء بحيث يخالطها جرم غريب وهو من باب الوضع فيكون التكاثف المقابل له هو اجتماع الاجزاء وخروج الجسم الغريب عما بينها ثم إن الحرارة لما كان من شأنها التلطيف والترقيق كانت مفيدة للتخلخل الذي من باب الكيف ومن حيث إنها تجمع بين المتشاكلات وتفرق بين المختلفات فهي تفيد التكاثف الذي من باب الوضع الذي هو عبارة عن اجتماع الاجزاء الوحدانية الطبع وخروج الجسم الغريب عما بينها وذكر في تعريف البرودة انها كيفية