فخر الدين الرازي

99

شرح الفخر الرازى على الاشارات

فعلية يفعل جميعا بين المتجانسين وغير المتجانسين بحصرها الأجسام بتكثفها وعقدها اللذين من باب الكيف ثم قال لو يجب أن تسقط من الحدين ما أوردناه تفهيم اللفظ المشترك ويستعمل الباقي ولقائل ان يقول ألستم قد ذكرتم في المنطق أن من جملة الأغاليط في الأقوال الشارحة تعريف الشيء بما هو أخفى منه ومعلوم أن العلم بحقيقة الحرارة أجلى من العلم بكونها جامعة للمتجانسات ومفرقة للمختلفات ومحدثة للتخلخل الذي من باب الكيف والتكاثف الذي من باب الوضع فان كل أحد ببديهية عقله بل كل حيوان بمقتضى حسه يفرق بين الحار والبارد ويميز بين الحرارة وغيرها وأما الافعال التي ذكرتموها للحرارة فانا لا نعلم حصولها عقيب ملاقاتها للأجسام الا بعد التعب العظيم في استقراء أحوالها وتتبع جزئياتها ثم إن الاستقراء لا يفيد العلم بان جزأ ان يحصل عقيب ملاقاتها هذه الآثار ثم بعد القطع بذلك لا يمكن القطع باستناد تلك الآثار إلى الكيفية القائمة بجسم النار مثلا الا بعد القدح في الفاعل المختار وبيان أنه لا يجوز أن يكون حصول هذه الآثار عقيب ملاقاة النار لان الفاعل المختار أجرى العادة بخلق تلك الآثار عقيب ملاقاتها ومعلوم أن اثبات كل واحد من هذه المراتب يستدعى بحثا وتدقيقا ونظرا طويلا فكيف يجوز أن يجعل ذلك معرفا لحقيقة الحرارة التي كل من له حس سليم يدركها ويميز بينها وبين كل ما عداها وأما الطعوم والروائح فلما عجزوا أن يذكروا لكل واحد منها اثرا خاصا اعتقدوا بسبب ذلك أن حقائق الطعوم والروائح غير معلومة لهم وهذا خطأ بل التحقيق في هذا الباب أن يقول لا شك أن التعريف يستدعى كون المعرف مجهولا والمعرف معلوما ولا يجب أن يكون العلم بكل شيء مستفادا من العلم بشيء آخر وإلا لزم لدور أو التسلسل بل لا بد من الانتهاء إلى تصورات بديهية فطرية غنية عن الاكتساب وأولى الأشياء بذلك ما يجده الانسان من نفسه كآلامه ولذاته وكشهوته وغضبه أو يدركه بحواسه كمدركات الحواس الخمس فان ماهية كل واحد من هذه الأشياء تكون متصورة لكل أحد تصورا فطريا بديهيا فمن حاول تعريفها لا يكن الا بما هو أخفى منها أو بما تساويا والأمران باطلان فعلمنا أن التعريفات التي ذكروها للحرارة والبرودة وغيرهما تعريفات باطلة لا ذكرهم لهذه الآثار للحرارة والبرودة أفادهم زيادة معرفة لماهيتها ولا عجزهم عن ذكر آثار صادرة عن الطعوم والروائح بمنعهم من الإحاطة بحقائقها فهذا هو التحقيق في هذا الباب وأما اللدغ والتحذير فاعلم أن اللدغ منسوب إلى الحرارة والتحذير إلى البرودة وذكر في القانون أن اللدغ هو الذي له كيفية نفاذة جدا لطيفة تحدث في الاتصال تفرقا كثير العدد متفاوت الوضع صغير المقدار فلا يحس كل واحد بانفراده ويحس بالجملة كالوجع الواحد وذكر في المحذر انه البارد الذي يبلغ من يريده للعضو إلى أن يصير جوهر الروح الحاملة اليه قوة الحس والحركة بارد أو مزاجه غليظا في جوهره فلا يستعملها القوى النفسانية ويجعل مزاج العضو كذلك فلا يقبل تأثير القوى النفسانية فهذا شرح ما أورده من القوى الفعلية وأما القوى الانفعالية فمنها الرطوبة وذكر في الشفاء أنها في المشهور عبارة عن البلة أي كون الجسم بحيث يلتصق بالغير وهو باطل فان الجسم كلما كان أرطب كان أقل التصاقا بالغير فان الماء لصافى جدا إذا غمس الإصبع فيه ما كان يلتصق منه بالإصبع أقل مما يلتصق من الماء الغير الصافي أو الدهن إلى العسل فعلمنا أن الالتصاق ليس خاصية لرطوبة ولما بطل هذا الاعتبار لم يبق للرطوبة الا سهولة قبول الاشكال الغريبة وسهولة تركها فيكون رسمها أنها لكيفية التي بها تكون الأجسام سهلة القبول للاشكال الغريبة سهلة الترك لها واليبوسة هي الكيفية التي يكون بها الجسم عسر القبول للاشكال الغريبة وعسر الترك بعد قبوله لها ولقائل أن يقول الاستدلال على أن الرطوبة عبارة عن الكيفية التي بها يكون الجسم سهل القبول للاشكال أو عن الكيفية التي بها يكون الجسم سهل الالتصاق بالغير استدلال في أمر لفظي لان هذين الامرين أعنى سهولة قبول الاشكال وسهولة الالتصاق بالغير أمران متغايران في ماهيتهما ولا ينكر هذا التغاير أصلا فلا يبقى هاهنا الا النزاع في اطلاق لفظ الرطوبة على واحد منهما وذلك لا يفيد فائدة علمية بل الناس اتفقوا على أن الرطب إذا اختلط باليابس أفاده الاستمساك عن التشتت ومعلوم أن ذلك لا يحصل الا إذا جعلنا الرطوبة عبارة عن البلة ألا ترى أن الهواء إذا اختلط بالتراب اليابس جدا فإنه لا يفيده استمساكا عن التشتت وأيضا اتفقوا على أن النار يابسة مع اتفاقهم على أنها ألطف الأجسام وأرقها قواما فان الجمود والتكاثف خاصية البارد والسيلان خاصية الحار فلما اتفقوا على يبوسة النار مع اتفاقهم على رقة قوامها وسهولة قبولها للاشكال الغريبة علمنا أنه لا يجوز أن يكون الرطوبة عبارة عما ذكروه وأما الحجة التي