فخر الدين الرازي

93

شرح الفخر الرازى على الاشارات

متحرك يعقل ولا يحسن به الا إذا عرف تبدل نسب أجزائه إلى أجزاء غيره وكذلك متى لم يحسن تبدل النسب لا يحسن بالحركة وهذه القاعدة مقررة في باب الحس والمحسوس من الملخص فإذا كان كذلك وجب أن يقاس أجزاء الفلك المحدد إلى أجزاء جسم آخر بتبدل النسب التي بين أجزائه وأجزاء ذلك الجسم إلى حركته فنقول انا إذا نسبنا الساكن إلى الساكن ثم يتبدل النسب التي من أجزائهما البتة وإذا نسبنا المتحرك إلى الساكن تبدلت النسب لا محالة فإذا عرفت في أحدهما كونه ساكنا لعينت الحركة للآخر مثاله إذا نسبنا السماء إلى الأرض ورأينا جزأ من الفلك تارة على سمت الرأس وتارة لا كذلك ثم علمنا وقوف الأرض علمنا بالضرورة كون الفلك متحركا وإذا نسبنا المتحرك إلى المتحرك فلذلك توجب تبدل النسب تارة ولا توجبه أخرى أما الأول فكما أنا نسبنا الأفلاك بعضها إلى بعض فان نسب أجزائها يختلف ولذلك يحصل للكواكب الاتصالات المختلفة وأما الثاني فان الكرة متى تحركت منطقتها وسائر الدوائر الموازية للمنطقة وحركة المنطقة أسرع من سائر الدوائر وكل ما كان منها أقرب إلى المنطقة كان أسرع مما هو أبعد منه فتلك الدوائر تتحرك حركات مختلفة مع أن النسب التي بين أجزائها محفوظة أبدا وإذا عرفت ذلك فقوله وأنت تعلم بان تبدل النسبة عند المتحرك قد يكون للساكن وقد يكون للمتحرك يعنى إذا كان المحوى متحركا فان الحاوي لو كان ساكنا تبدلت النسب لا محالة وأما ان كان متحركا فتارة تتبدل وتارة لا تتبدل على ما بيناه وإذا كان التبدل حاصلا سواء فرض ساكنا أو متحركا امتنع الاستدلال بهذا التبدل على كونه متحركا وأما قوله فيجب أن يكون عند ساكن معناه أنه لما ثبت فساد ذلك القسم وجب أن يقاس الفلك إلى جسم ساكن حتى يمكن الاستدلال بتبدل ما بين أجزائهما من النسب على كون الفلك متحركا ولقائل أن يقول لما عرفت بان تبدل النسبة عند المتحرك قد يكون للمتحرك فكيف تقول بأن تبدل النسبة للمتحرك يجب أن يكون عند ساكن ليس ان ذلك لا يحصل الا عند الساكن بل معناه أن ذلك واجب الحصول عند الساكن وان كان قد يجب حصوله أيضا عند غير الساكن * المسألة السابعة * في امتناع الكون والفساد على الفلك وفيها فصول ثلاثة * ( إشارة [ في أن كل ما يجوز عليه الكون والفساد ففيه مبدء ميل مستقيم ] الجسم القابل للكون والفساد يكون له قبل أن يفسد إلى جسم آخر يكون عنه مكان وبعده مكان لاستحقاق كل جسم مكانا بحسبه ويكون أحد المكانين خارجا عن الآخر وان كان حصول الصورة الثانية له في مكان غريب له بحسبها اقتضى ميلا مستقيما إلى المكان الذي بحسبها وان كان في المكان الذي اليه بحسبها فقد كان زاحم قبل لبس هذه الصورة ما هذا المكان مكانه فزحمه فجوهر متمكن هذا المكان بالطبع قابل للنقل عن مكانه فهو فما فيه ميل مستقيم فكل كائن وفاسد فقيل ميل مستقيم ) التفسير الجسم المحدد لا يصح عليه الكون والفساد لأنه لو صح عليه ذلك لكان فيه ميل مستقيم والتالي محال فالمقدم محال اما بيان الشرطية فالمقصود من هذا الفصل ذلك وتقريره أن الجسم إذا زال عنه صورة وحدث فيه صورة أخرى فان تلك الصورة الأولى فساد للجسم الذي تلك الصورة الزائلة كانت صورة له وحصول الصورة الأخرى كون للجسم الذي تلك الصورة الحادثة صورة له وأيضا فالجسم حين كان موصوفا بالصورة السابقة كان مستحقا لمكان معين وإذا زالت عنه تلك الصورة وحدثت فيه صورة أخرى صار مستحقا لمكان آخر معين لاستحالة أن يستحق المكان الواحد جسمان مختلفان بالطبع فإذا عرفت ذلك فلنذكر البرهان على المطلوب فنقول كل جسم يتكون فاما أن يكون تكونه في مكانه الطبيعي أولا في مكانه الطبيعي فإن كان لا في مكانه الطبيعي وجب أن يتحرك بطبعه إلى مكانه الطبيعي بالاستقامة وان كان في مكانه الطبيعي فذلك الجسم قبل حدوث تلك الصورة فيه كان موصوفا بصورة أخرى وهو في ذلك الوقت ما كان ذلك المكان مكانا طبيعيا له لما