فخر الدين الرازي
94
شرح الفخر الرازى على الاشارات
بينا أن المكان الواحد لا يستحقه جسمان مختلفان بالطبع فذلك المكان في ذلك الوقت كان قد حصل فيه جسم غير ملائم له وحين حصول غير الملائم فيه لا بد وأن يكون قد خرج عنه ما كان ملائما له وذلك الملائم الخارج لا بد وأن يكون طالبا للعود اليه بحركة مستقيمة فإذا الجسم الذي كان ملائما له لا بد وأن يكون ذا ميل مستقيم والجسم الذي حدث الآن فيه أيضا ملائم له وقد عرفت أن الجسمين المختلفى الطبيعة لا يمكن أن يلائما مكانا واحدا فإذا الجسم للذي حدث الآن مساويا في تمام الماهية للجسم الذي ثبت أنه يصح عليه الحركة المستقيمة وحكم الميلين واحد فإذا ثبت في بعض ما يلائم هذا المكان صحة الحركة المستقيمة عليه وجب على كل ما يلائمها صحتها عليه فثبت أن كل كائن فاسد فإنه يصح عليه الحركة المستقيمة ولنرجع إلى شرح المتن أما قوله الجسم القابل للكون والفساد له قبل أن يفسد إلى جسم آخر يكون عنه مكان وبعده مكان لاستحقاق كل جسم مكانا بحسبه فقد علمت حقيقة الكون والفساد وأيضا فالجسم إذا زالت عنه صورة وحدثت فيه صورة أخرى فإنه يقال لهذا الثاني انه حدث عن الأول مثل أن الجسم إذا زالت عنه الصورة المائية وحدثت فيه الصورة الهوائية فإنه يقال للهواء أنه يكون عن الماء ويقال للماء انه فسد إلى الهواء وإذا عرفت ذلك فللماء قبل أن يفسد إلى الهواء الذي يكون عليه مكان وهو مكان الماء وبعد هذا الكون والفساد مكان آخر وهو مكان الهواء وأما قوله ويكون أحد المكانين خارجا عن الآخر فاعلم أن ذلك انما كان لأجل أنه ثبت أن المكان الواحد لا يستحقه جسمان وأما قوله فإن كان حصول الصور الثانية له في مكان غريب له بحسبها اقتضى ميلا مستقيما إلى المكان الذي بحسبها معناه أن الصورة الهوائية ان حدثت في الجسم حال كونه في غير حيز الهواء فبعد حدوث الصورة الهوائية فيه كان غريبا عن حيز الهواء وكان قد زاحم الهواء لا محالة حتى أخرجه عن حيزه ولا شك أنه متى خرج ذلك المزاحم عن حيز الهواء فان الهواء يعود اليه يميل مستقيم فاذن الجسم الذي هو متمكن بالطبع في حيز الهواء قابل للنقل المستقيم فالجسم الذي حدث الآن فيه أيضا يجب أن يكون قابلا للنقل المستقيم لان هذا الجسم ان كان مخالفا للجسم الأول كان المكان الواحد يستحقه جسمان مختلفان وان كان ميلا للأول والأول يصح عليه الحركة المستقيمة فهذا الجسم أيضا يصح الحركة المستقيمة عليه ويجب أن تعلم أنا انما فرضنا الكلام في الماء والهواء تفهيما لعبارة الكتاب بالمثال والا فالبرهان مطرد في الكل ( وهم وتنبيه [ في إيراد الشك في وجوب الانتقال ] فان تشككت وقلت يكون ذلك المتكون لصيق الجسم الذي انتقل إلى صورته بالكون فقد أوجدت لنوعيته أن يقع خارج مكانه فان اللصيق ليس هو المكان بل الجار ) الشرح هذا الشك متوجه على المنفصلة التي بنى الحجة عليها وهي قوله حصول الصورة اما أن يكون في مكانها الطبيعي أولا في مكانها الطبيعي وذلك أن يقال إن حصول تلك الصورة يكون في موضع ملاصق لمكانه الملائم والجواب عنه ظاهر لان موضع الملاصق ان كان موضعا يتحرك الجسم بطبعه اليه فهو المكان الملائم وان كان يتحرك الجسم عنه بطبعه فهذا المكان هو غير الملائم ولا يمكن أن يكون بين هذين القسمين قسمة أخرى وبالحقيقة