فخر الدين الرازي
7
شرح الفخر الرازى على الاشارات
ولا شك ان الماضي والمستقبل منها معدومان فإذا لا بد وان بوجد منها في الحال شيء لأنه لو لم يكن لها وجود في الحال لم يكن شيء منها ماضيا ولا مستقبلا لان الماضي هو الذي كان حاضرا في وقت مضى والمستقبل هو الذي يتوقع حضوره في وقت سيأتي فلو لم يكن للحركة حضور لها كان شيء منها ماضيا ولا مستقبلا فإذا ثبت ذلك فنقول الذي يوجد منها في الحال ان كان منقسما كانت الاجزاء المفترضة فيه سابقا بعضها على البعض لان أجزاء الحركة منقضية ولو كان الامر كذلك لما كان الجزء الموجود في الحال موجودا هذا خلف واما ان لم يكن منقسما فعند زواله لا بد وان يحصل شيء آخر يكون حكمه في عدم الانقسام ما ذكرنا فحينئذ تكون الحركة عبارة عن أمور متتالية كل واحد منها لا يكون قابلا للانقسام فإذا قطعت المسافة بالحركة فالقدر الذي يقطع من المسافة بالجزء الذي لا يتجزأ من الحركة ان كان منقسما كانت الحركة إلى نصفه نصف الحركة إلى آخره فتكون الحركة لي آخره منقسمة وقد فرضناها غير منقسمة هذا خلف وان لم يكن منقسما فهو الجزء الذي لا يتجزأ وهكذا القول في جميع ما يقطع من المسافة بكل واحد من الاجزاء التي لا تتجزأ من الحركة فإذا المسافة مركبة من الاجزاء التي لا تتجزأ واعلم أن الجواب عن هذه الحجة يستدعى بحثا طويلا واستقصاء القول فيه مذكور في كتبنا المطولة ولنرجع إلى تفسير المتن أما قوله وهم إشارة فههنا أبحاث ( البحث الأول ) فاعلم أنه قد جرت عادة الشيخ في هذا الكتاب بأنه متى أراد أن بورد مذهبا باطلا أو سؤالا باطلا لتبين فساده فإنه يسميه وهما وسبب هذه التسمية ان العقل لا يعرض له الغلط الا من قبل القوة المسماة بالوهم على ما مر تقريره في المنطق وذلك سبب في اطلاق لفظ الوهم على الرأي الباطل على سبيل المجاز تسمية للمسبب باسم السبب فظهر منه ان تسمية الرأي الباطل بالوهم أولى من تسميته بالخيال فان سبب الرأي الباطل ليس هو الخيال بل الوهم ( البحث الثاني ) عن الإشارة اعلم أن استقراء فصول هذا الكتاب يدل على أن كل قضية يحتاج في اثباتها إلى برهان منفصل فان الشيخ يسمى الفصل المشتمل عليه بالإشارة وكل قضية لا يحتاج في اثباتها إلى برهان منفصل بل يكفى في التصديق بها تجريد موضوعها ومحمولها عن اللواحق والعوارض فإنه يسميه تنبيها ( 3 ) كانت تلك القضية موجودة بالفعل الا ان الانسان لا يعلم كونها عنده فيكفي فيه مجرد التنبيه ( البحث الثالث ) عن انه لما ذا قال وهم وإشارة ولم يقل إشارة ووهم فلان الإشارة ليست الا البرهان المبطل للرأي الباطل المسمى بالوهم وإقامة البرهان على ابطال الشيء متأخرة لا محالة عن تصور ذلك الشيء فلا جرم كان ذكر الوهم مقدما على ذكر الإشارة وأما قوله كل جسم ذو مفاصل فاعلم أنه قضية موضوعها كل جسم ومحمولها ذو مفاصل وهي حكاية لمذهب المثبتين للجزء الذي لا يتجزأ والمراد من الجسم الجسم الطبيعي وقد عرفته والمفاصل عبارة عن المواضع التي يمكن ايراد الفصل والتسمية عليها فان الجسم إذا كان مؤلفا من أجزاء كل واحد منها متميز عن الآخر في ذاته كانت المواضع التي يمكن ايراد الفصل عليها حاصلة في الجسم فيكون لكل مفاصل موجودة بالفعل وأما قوله تنضم عندها أجزاء غير أجسام تتألف منها الأجسام وزعموا ان تلك الأجزاء لا تقبل الانقسام لا كسرا ولا قطعا ولا وهما ولا فرضا وان الواقع منها في وسط الترتيب يحجب الطرفين عن التماس واعلم أن المراد من ذلك ذكر صفات تلك الأجزاء التي حدث من تألفها الجسم ذو المفاصل وتلك الصفات ثلاث أحدها ان كل واحد منها ليس بجسم في نفسه وان كان يحدث الجسم من تألفها وثانيها ان كل واحد منها لا يقبل الانقسام ثم إن لقبول الانقسام مراتب فاسهلها الكسر ثم يليه القطع فان الشيء قد يكون صلبا لا ينكسر الا انه يمكن تقطيعه بآلات قطاعة ويليه الوهم فان الشيء قد يكون بحيث لا يقبل التقطيع مثل الفلك فان الكسر والقطع وان امتنعا عليه لكن القسمة الوهمية غير ممتنعة عليه وأما الفرض فإنه آخر المراتب لان القسمة الوهمية ربما تقف لان الوهم لا يقدر على استحضاره لصغره مع أن القسمة الفرضية بعد لم تقف فإنه متى لم يلزم من فرض وقوع القسمة محال لم تكن القسمة ممتنعة سواء عجز الوهم عن ادراكه أو لم يعجز قد جاء في بعض النسخ لا كسرا وقطعا ولا وهما وفرضا ويكون المراد أيضا ما ذكرناه وثالثها ان كل واحد من تلك الأجزاء إذا توسط بين جزءين تلاقيانه فإنه يحجب ما على طرفيه من التلاقى وأما قوله ولا يعلمون أن الأوسط إذا كان كذلك لقى كل واحد من الطرفين منه شيأ غير ما يلقاه الا آخر فاعلم أن معناه انهم لما سلموا كون الوسط حاجبا لما على طرفيه من التلاقى وجب أن يكون الذي يلاقى منه ما على يمينه غير الذي يلاقى منه ما على يساره أما قوله وليس ولا واحد من الطرفين يلقاه