فخر الدين الرازي
8
شرح الفخر الرازى على الاشارات
باسره فاعلم أنه لما ادعى أن الأوسط إذا كان حاجبا للطرفين عن التلاقى وجب أن يلقى كل واحد من الطرفين منه شيأ غير ما يلقاه الا آخر احتاج إلى اثبات هذه القضية فجعل الطريق اليه ابطال نقيضها فان نقيض قولنا كل واحد من الطرفين يلقى شيأ من الأوسط غير ما يلقى منه الطرف الا آخر هو انه ليس كل واحد من الطرفين يلقى من الأوسط غير ما يلقى منه الطرف الا آخر ثم هذا السلب لا يصدق الا على أحد أمرين أحدهما ان كل واحد من الطرفين لا يلقى من الأوسط شيأ والثاني ان كل واحد من الطرفين يلقى الأوسط أما الأول فالشيخ لم يتعرض لابطاله فالسبب فيه ان تلك الأجزاء لو لم تكن متلاقية أصلا لم يكن الجسم حاصلا من اجتماعها فلا يكون الجسم مؤلفا من الاجزاء التي لا تتجزأ وهو المطلوب وأما الثاني وهو أن يقال إن كل واحد من الطرفين يلاقى الوسط باسره فهو الذي عناه الشيخ بقوله وليس ولا واحد من الطرفين يلقاه باسره فإنه متى بطل هذا القسم وقد أبطلنا الأول أيضا صح ما ذكره من أن أحد الطرفين يلاقى من الوسط غير ما لقيه الا آخر وأما قوله وانه بحيث لو جوز مجوز فيه مداخلته للوسط حتى يكون مكانهما أو حيزهما أو ما شئت فسمه واحدا لم يكن بد من أن ينفذ فيه فيلقى غير ما لقيه والقدر الذي لقبه دون اللقاء المتوهم للمداخلة فاعلم أن المراد منه أن القول بكون الطرف ملاقيا الكلية الوسط قول بمداخلة لطرف لكلية الوسط والمتداخلان لا بد وأن يكون مكانهما أو حيزهما واحدا سواء سميت المكان والحيز بهذين الاسمين أو بما شئت من الأسماء والشيئان لا يصيران كذلك الا بعد أن يصل طرف أحدهما إلى طرف الآخر ثم ينفذ فيه والنفوذ حركة شئ في شئ والشيء حال كونه متحركا إلى موضع فإنه لا يكون حاصلا في ذلك الموضع فثبت أن القدر الذي لقى الطرف من الوسط حال نفوذه فيه غير الذي لقيه منه قبل نفوذه فيه أعنى حال كون طرفه ملاقيا لطرف المنفوذ فيه وهو الذي لقيه منه حال النفوذ فيه دون ما سيلقاه منه حال حصول اللقاء المتوهم من المداخلة وبالجملة فان النافذ لا بد وأن يلقى طرفه طرف المنفوذ فيه أولا ثم ينفذ فيه ثانيا ثم تحصل المداخلة ثالثا وهو في كل مرتبة من هذه المراتب يلقى شيأ غير ما لقيه في المرتبة التي قبلها وذلك يوجب انقسام النافذ والمنفوذ فيه واعلم أن هذا الكلام ليس برهاني ولكنه اقناعي واللقاء المتوهم للمداخلة يوجب أن يكون ملاقى الوسط ملاقيا للطرف الآخر ملاقاة الوسط له وأن لا يتميز في الوضع إذ لا فراع عن لقائه فاعلم أنه لما بين ان القول بالنفوذ يوجب القول بالقسمة أراد أن يبين هاهنا أن القول بالنفوذ محال وبين ذلك بان أحد الطرفين لو دخل في كلية الوسط لكان ملاقيا للجزء الا آخر الذي هو طرف أيضا لان أحد الطرفين إذا دخل في كلية الوسط مع أن الوسط ملاق للجزء الآخر الذي هو طرف وجب أن يكون أحد الطرفين ملاقيا للطرف الا آخر وأما قوله فحينئذ لا يكون ترتيب ولا وسط ولا طرف ولا ازدياد حجم فاعلم أن المراد منه أن تداخل الاجزاء عبارة عن حصولها بأسرها في حيز واحد وذلك يوجب ارتفاع الترتيب بين تلك الأجزاء ويوجب أن لا يزيد حجم مجموعها على حجم واحد منها وأما قوله فإن كان شئ من ذلك لم يكن ما يكون عند توهم المداخل بالأسر بل بقي فراغ وانقسم ما يتلاقى فاعلم أنه لما بين أن القول بالمداخلة يوجب انتفاء الترتيب والوسط وازدياد الحجم استثنى نقائض هذه التوالي وهو ان هذه الأشياء كائنة حاصلة فأنتج فساد المقدم وهو القول بالمداخلة فثبت فساد كون الطرف ملاقيا لكلية الوسط وثبت فساد أن لا يلاقى منه شيأ ومتى بطل هذان القسمان لم يبق الا أن يقال الطرف يلاقى بعضه بعض الوسط وذلك يوجب انقسام تلك الأجزاء المتلاقية ( وهم وإشارة [ في إبطال الاحتمال الثاني ] ومن الناس من يكاد يقول بهذا التأليف ولكن من أجزاء غير متناهية