فخر الدين الرازي

47

شرح الفخر الرازى على الاشارات

بأنه لو كان كذلك للزم استواء جميع الأجسام في المقادير والشكل وللزم أيضا مساواة الكل والجزء في المقدار والشكل ولقائل أن يقول هذا أيضا يلزمك على ما اخترته من أن المقدار والشكل لأجل المادة لان الأجسام العنصرية غير مختلفة في موادها وكان يجب استواؤها في المقدار والشكل ثانيهما انه لما استدل على اثبات الصور النوعية بأن الأجسام بعد اشتراكها في الجسمية مختلفة في هذه الكيفيات فلا بد وأن يكون اختصاص كل واحد منهما بالكيفية الخاصة لأجل صورة نوعية خاصة به وكان لقائل أن يقول لو كان اختصاص كل واحد منها بكيفيته لأجل صورة نوعية مختصة به لكان اختصاص كل واحد منها بتلك الصورة لصورة أخرى ولزم التسلسل ثم لما كان الجواب عن هذين السؤالين جوابا واحدا لا جرم لم يذكر ما يصلح أن يكون جوابا عن هذا السؤال في المسألة الأولى بل أخره إلى هذا الموضع ليكون جوابا عن السؤالين في المسألتين وتقرير ذلك الجواب في المسألة الأولى أنا لا نقول المادة تكفى في تعيين الشكل والمقدار بل تحتاج في حصول الأحوال المختلفة من المقادير والاشكال والايون إلى أمور أخر لأجلها تصير المادة مستعدة لقبول مقدار خاص دون غيره وتلك الأمور لا بد وأن تكون هي أيضا مسبوقة بأمور أخر حتى يكون كل سابق سببا لاستعداد المادة لقبول ما يحصل عقيبه وهذا سر عظيم تطلع منه على أسرار أخرى وتلك الاسرار هي ان ذلك يقتضى أن لا يكون للحوادث بداية زمانية وانه لا بد من حركة سرمدية لا بداية لها ولا نهاية لكون تلك الحركة سببا لحصول الاستعدادات المختلفة في المادة وهذا هو الجواب بعينه عن السؤال المذكور في اثبات الصور النوعية وان كان قد بينا ان هذا يمنعهم من اثباتها وهو الجواب أيضا عن السؤال المذكور على الدلالة على استحالة خلو الهيولى عن الصورة على ما مر تقريره قبل ( المسألة الثامنة ) بيان كيفية تعلق الهيولى والصورة وفيها تسعة فصول * ( وهم وتنبيه [ في كيفية تعلق الهيولى بالصورة ] واعلم أن الهيولى مفتقرة في أن تقوم بالفعل إلى مقارنة الصورة فاما أن تكون الصورة هي العلة المطابقة الأولية لقوام الهيولى أو تكون الصورة آلة أو واسطة لمقيم آخر تقيم الهيولى بها مطلقا أو تكون شريكة لمقيم باجتماعهما جميعا تقوم الهيولى أو تكون لا الهيولى تتجرد عن الصورة ولا الصورة تتجرد عن الهيولى وليس أحدهما أولى بان يكون مقاما به الآخر من الآخر بعكسه أو يكون بسبب ما خارجا عنهما يقيم كل واحد منهما مع الآخر أو بالآخر ) التفسير لما بين أن الصورة والهيولى لا تنفك واحدة منهما عن الأخرى شرع هاهنا في تقرير الوجوه التي يمكن أن تقع تلك الملازمة ليبطل الباطل منهما ويحق الحق وطريق حصر ذلك الوجوه أن تقول لما ثبت أن الهيولى والصورة متلازمان وجود أو عدما فاما أن تكون الهيولى محتاجة إلى الصورة من غير عكس أو الصورة محتاجة إلى الهيولى من غير عكس أو تكون كل واحدة منهما محتاجة إلى الأخرى أو لا تكون ولا واحدة منهما محتاجة إلى الأخرى أما القسم الأول وهو أن تكون الهيولى محتاجة إلى الصورة من غير عكس فهو على اقسام ثلاثة لان الصورة اما أن تكون علة مطابقة للهيولي أو جزأ من العلة أو لا تكون علة ولا جزأ منها بل تكون آلة أو واسطه للعلة فخرج من هذا التقسيم أقسام ستة والحق من جملتها عند الشيخ هو أن تكون الصورة جزأ من العلة فتكون شريكة لشيء آخر ليكون مجموعهما علة لوجود الهيولى ولنرجع إلى تفسير المتن أما قوله واعلم أن الهيولى مفتقرة في أن تقوم بالفعل إلى مقارنة الصورة فاعلم أن في هذه الالفاظ احترازات أحدها انه لو قال الهيولى مفتقرة إلى مقارنة الصورة لكان لا يدرى أن الهيولى مفتقرة في ماهيتها إلى الصورة أو في وجودها فلما قال في أن تقوم بالفعل زال ذلك الاشتباه واعلم أن افتقار الهيولى إلى الصورة ليس الا في وجودها وثانيها انه لو قال الهيولى مفتقرة في وجودها إلى الصورة لكان لا يدرى انها مفتقرة إلى الصورة في وجودها الخارجي أو في وجودها الذهني أو فيهما جميعا ولما كان الحق ان ذلك لافتقار ليس الا في وجودها الخارجي لا جرم قال الهيولى مفتقرة في أن تقوم بالفعل إلى مقارنة الصورة لان القيام بالفعل لا يراد به الا الوجود الخارجي وثالثها انه لو قال مفتقرة في أن تقوم بالفعل إلى الصورة لكان لا يدرى من هذا الكلام وجوب تلاقيهما لان