فخر الدين الرازي
48
شرح الفخر الرازى على الاشارات
العالم مفتقر في وجوده إلى البارئ تعالى مع أنه تعالى مباين له فلما قال إلى مقارنة الصورة زال هذا الاشتباه ثم هاهنا شك لفظي وهو أن حاصل هذا الكلام يرجع إلى أن الهيولى مفتقرة في وجودها الخارجي إلى مقارنة الصورة وهذا فيه نظر لان مقارنة الشيء لغيره حالة إضافية يفرض للشيء بالنسبة إلى غيره والأحوال الإضافية متأخرة عن الذوات التي هي عارضة لها فإذا المقارنتان أعنى مقارنة الصورة للهيولي ومقارنة الهيولى للصورة كل واحدة منهما متأخرة عن وجود الهيولى فلو حكمنا بافتقار الهيولى من حيث إنها موجودة إلى تلك لزم تأخر وجود الهيولى عن تلك المقارنة مع أن تلك المقارنة كانت متأخرة عن وجود الهيولى فيلزم الدور وانه محال بل العبارة الصحيحة أن يقال الهيولى مفتقرة في وجودها بالفعل إلى ذات الصورة افتقارا متى وجدت وجب أن تكون مقارنة للصورة فالافتقار يكون إلى ذات الصورة وأما وجود مقارنتها للصورة فإنه يكون حكما بعد وجود الهيولى والظاهر أن مراد الشيخ ذلك ثم اعلم أنه لا بد من تصحيح هذه القضية بالحجة لان الذي سبق هو أن الصورة لا تخلو عن الهيولى والهيولى لا تخلو عن الصور وهذا القدر لا يكفى في بيان أن الهيولى مفتقرة في وجودها بالفعل إلى الصورة لاحتمال أن يكونا متلازمين وان لم تكن إحداهما مؤثرة في الأخرى كالأبوة والاخوة وبالجملة المضافين فإنهما متلازمان وجودا وعدما مع أنه لا يكون واحد منهما مفتقرا في وجوده إلى الآخر وان وجب افتقار أحدهما إلى الآخر لكن الصورة هي مفتقرة إلى الهيولى من غير عكس وسيأتي بعد ذلك ابطال هذين الاحتمالين وأما قوله فاما أن تكون الصورة هي العلة المطلقة الأولية لقوام الهيولى أو تكون الصورة آلة أو واسطة لمقيم آخر تقيم الهيولى بها مطلقا أو تكون شريكة لمقيم باجتماعهما تقوم الهيولى فاعلم أن هذه الأقسام الثلاثة بأسرها أقسام القسم الأول وهو أن تكون الهيولى محتاجة إلى الصورة والفرق بين الآلة والواسطة أن كل آلة واسطة وليست كل واسطة آلة لان