عبد الامير الأعسم
63
المصطلح الفلسفي عند العرب
ومن هذه النقاط ، التفسيرية للنص ، نفهم ان ابن سينا لم يؤلف كتاب الشفاء بعد ؛ والا كيف يمكن ان نتصور انه عالج موضوع الحدود على هذه السعة في كتاب الشفاء « 36 » ؛ ويتردد هنا في تأليف رسالة صغيرة يكشف فيها عن المبادي الأساسية للنظر في الحدود والرسوم ؟ ولو كانت هذه الرسالة ، بعد الشفاء ، لما ارتضينا ذلك منطقيا ، لأن الصحيح ان يكون تلاميذه ملمين بمحتوى الشفاء في موضوع الحدود ؛ فلا يسألونه تفسيرا ، ولا يطلبون منه ايضاحا ، ولا يلحون عليه بطلب تأليف رسالة في ذلك . وإذا كنا الآن على ثقة من أن ابن سينا ألف الرسالة قبل الشفاء ؛ فمتى كان ذلك ؟ ان الإجابة على مثل هذا السؤال ستفيدنا في فهم نقطتين رئيستين ، هما : 1 - ان لغة ابن سينا في الرسالة لا ترقى إلى ما نجده في كتبه المتأخرة . 2 - ان الرسالة ، في الأساس ، يعالج فيها ابن سينا موضوع الحد أول مرة . ان استيضاح جملة من اخبار ابن سينا سيكشف جانبا مهما عن هاتين النقطتين . وأول هذه الأخبار انه رحل إلى جرجان سنة 403 / 1017 « 37 » ، فتعرف عليه أبو عبيد الجوزجاني « 38 » ، وأصبح مريده ومرافقه مدة خمسة وعشرين عاما « 39 » ؛ فقد بدأ مع زملاء له في تلقي العلم عن ابن سينا ، لان ابن سينا باشر في هذه المدة بجرجان التعليم ، والتصنيف « 40 » . وكانت مؤلفاته كثيرة في هذه المدة « 41 » ، منها كتاب « المختصر الأوسط في المنطق » ، الذي لخص فيه مجمل القضايا المنطقية ببساطة متناهية ؛ فأملى مادته على أبي محمد
--> ( 36 ) قارن : ابن سينا ، البرهان ، نشرة بدوي ، فن 5 م 4 ؛ والجدل ، نشرة الأهواني ، م 5 ف 2 . ( 37 ) نصر ، ثلاثة حكماء ، ص 35 . ( 38 ) قارن القفطي ، اخبار الحكماء ، ص 272 . ( 39 ) أيضا ، ص 275 ؛ والبيهقي يذكر انها مدة ثلاثين سنة ، ( انظر : تاريخ حكماء الإسلام ، ص 64 ) . ( 40 ) انظر : القفطي ، اخبار الحكماء ، ص 272 . ( 41 ) انظر : قنواتي ، مؤلفات ابن سينا ، المقدمة ص 20 .