عبد الامير الأعسم
101
المصطلح الفلسفي عند العرب
وهذا كله يؤكّد ما تمتّع به الآمدي من الذكاء المفرط والمعرفة الواسعة بالعلوم العقلية rational sciences ، فأمدّته عبقريته بمنزلة « 16 » رفيعة في الدوائر الفلسفية بالقاهرة ، فحقق بالتدريس شهرة « 17 » عظيمة ، صارت تسبب له المتاعب مع حسّاده حتى اتهم في عقيدته ، لان حاسديه ألبوا عليه الآراء ، وانقلبوا خصوما أشداء « فتعصبوا عليه ونسبوه إلى فساد العقيدة والتعطيل ومذهب الفلاسفة » . « 18 » ويتضح من سياق نشاطه الفكري انه استنفذ طاقته كاملة في تحديد موقفه الخاص من الفقهاء ، فألف كتاب « الاحكام في أصول الاحكام » الذي أودع فيه كل عبقريته في علم الأصول ، تماما كما فعل بالنسبة لعلم الكلام عندما الف كتابه « ابكار الافكار » ، وفي الفلسفة عندما كتب « دقائق الحقائق » « 19 » فلم تفد مكانة الآمدي المرموقة بين علماء مصر ، ولا مشيخته للجامع الظافري ، ولا محبة العديد من رجال الفكر والفلسفة له واعجابهم الشديد بشخصيته ، من تفتيت صلابة موقف حسّاده منه ؛ فاضطر إزاء ذلك إلى الخروج من مصر كلها ؛ سنة 615 / 1218 - 1219 ، بعد ثلاثة وعشرين عاما من الأستاذية للعلوم العقلية في دوائر الفلسفة بالقاهرة . لقد كان خروج الآمدي « عن مصر إلى الشام » « 20 » ، كأنه هروب بجلده من فعل حسّاده والمؤلبين عليه ؛ فتكرر معه ما حدث له ببغداد قبل ربع قرن من الزمان ؛ لكنه هذه المرة في أشد حالة ، إذ « خرج متخفيا إلى حماه » « 21 » . أمّا لما ذا اختار حماه دون غيرها من مدن الشام ، فهذا ما لا تفصح عنه المصادر القديمة ؛ لكننا نعتقد أن الآمدي ، وقد بلغ سن الرابعة والستين من عمره ،
--> ( 16 ) sourdel , E . I . , l , p . 434 b . ( 17 ) الزركلي ، الاعلام ، 5 / 153 . ( 18 ) أيضا ، الاقتباس السابق ؛ وقارن : Sourdel , op . cit . , p . 434 ( 19 ) سأتحدث عن هذه الكتب فيما بعد . ( 20 ) القفطي ، تاريخ الحكماء ، ط . لبرت . ص 240 - 241 ، ط . القاهرة . ص 161 . ( 21 ) انظر : الزركلي ، الاعلام ، 5 / 153 .