لويس شيخون وآخرين

89

مقالات فلسفية لمشاهير فلاسفة العرب ( المسلمين والنصارى )

هذه الآراء وما يشاكلها ظهر الحقّ وهو انّ اللّه تعالى يخلق النفس لا من شيء يسبقها وذلك مثلما أوجد العقول المجرّدة « 1 » الفصل الثلاثون في بيان ايّ مكان خلقت فيه النفس أفي داخل البدن أم خارجا عنه هذا القول فيه رأيان : الاوّل انّ النفس خلقت في البدن وقد نكرت ذلك حكماء اليونانيين وذكروا انّها خلقت خارج البدن وأتت اليه « 2 » . والرأي الثاني أرجح لانّ البسيط يليق بالبسيط والنفس بسيطة لائقة بعالم البسيط العاري عن ملابسة الأجسام . فإذا وجود النفس اي خلقتها خارجا عن الجسم هو أصدق « 3 » الفصل الحادي والثلاثون في بيان اي وقت تخلق به النفس أبعد خلقة الجسد أو قبله أو معه قال قوم من الأقدمين انّ النفس خلقت قديما قبل البدن . وهذا محال . لأنّه لا يخلو القول عن أحد امرين امّا أن تكون النفس واحدة وتحلّ في سائر الأبدان وامّا أن تكون انقسمت قبل الحلول في البدن . والاوّل محال لأنه يلزم منه انّ ما يعمله الواحد يعمله الكل وهو باطل . والثاني لا صحّة له أيضا لانّ النفس بسيطة وما كان بسيطا لا تطرأ عليه القسمة . وكان يجب مع ذلك أن تكون الخلفة بين النفوس بالفصول والعوارض . وكلا القولين باطل لانّه يلزم من الاوّل انّ النفس تكون مركبة من الجنس والفصل مثل بعض الحيوانات . والثاني محال لانّ النفس قبل الاتحاد بالبدن لا تدخل عليها العوارض فبطل من ثمّ القول بقدم النفوس « 4 »

--> ( 1 ) اي الملائكة ( 2 ) وهو رأي أفلاطون ( 3 ) نقول إن في هذا القول شططا . والصواب انّ اللّه خلق النفس في البدن لا خارجا عنه ولو صدق قول المؤلف لوجدت النفس حينا ما بلا جسدها وهو قول باطل . والبرهان الذي استند اليه المؤلف لتأييد زعمه ضعيف واهن ينتج عنه انّ النفس من حيث انّها لائقة بعالم البسيط لم تخلق لمساكنة الجسد وملابسته وهي نتيجة فاسدة كما يظهر أيضا من الفصل التالي‍ ( 4 ) ويمكن قول ثالث لم يذكره هنا ابن العبري وهو ان تخلق النفوس متعدّدة كالملائكة . وهو قول لا صحة له أيضا لأنه لو خلقت قبل البدن لبقيت فارغة عن العمل وهو باطل لانّ اللّه لم يخلق نفوس البشر لتعيش مجرّدة عن الجسم كارواح الملائكة بل لترتبط مع الأبدان وتأخذ موادّ فهمها وعملها من الحواسّ فتجردها عن الهيوليّ وتدرك جواهرها . امّا وجود النفس بعد الموت منفردة عن الجسد مدّة ما فان ذلك امر قد قضى اللّه به على البشر عقابا على خطيئة الأبوين الاوّلين ونسلهما إلى أن يبعث اللّه الأجساد في اليوم الأخير