لويس شيخون وآخرين
44
مقالات فلسفية لمشاهير فلاسفة العرب ( المسلمين والنصارى )
قدرا وذلك لأن يكون محبّبا إلى العامّة متعجّبا منه عندهم وكلّ المدبّرين يحبّون ان ينالوا ذلك ولكنّهم قلّما ينالونه بل قد يصيرون من العامّة إلى خلاف هذين الامرين من البغضة لهم والازراء بهم . وذلك انهم يريدون ان يستأثروا بالمنافع وينفردوا بحسن الحال ويحبّون ان لا يشركهم في ذلك أحد ولا ينافسهم فيه كبير فهذا يقع عند العامّة موقع الإساءة تنزل بهم والمكروه الذي لحقهم فيحدث لهم من الحنق عليهم وسوء الرأي فيهم وما « 1 » يظهر خشعهم « 2 » ودناءة طمعهم وما يصيّرهم إلى الاستخفاف بهم والازراء عليهم فقد يحتاج من تقلّد الرئاسة إلى أن يجتمع له هذان الأمران وبهما ينال حقيقة الرئاسة وفضيلتها حتى تنقاد له العامّة وتعطيه الطاعة فإذا خلا منها ازدراه الناس واستخفّوا به وشنئوه ووثبوا عليه . وقد رجوت ان تجتمع لك هاتان الخلّتان ولست أقول هذا لمن يتملك امرا لا يستحقه بل أرى من تكلّف مثل هذا القول بالمدينة أولى منه بالمحمدة ولا يغضبنّك على رعيتك ان يبلغك ان فيهم من يحاربك « 3 » في مساعيك أو يطمع في أن يساويك في قدرك وهمّتك ما لم تظهر معاندة لك فإنه ليس من الحزم منافرة العامّة وهذا انما يكون في خواص من الناس تنزع بهم اليه أخطار وهمم شريفة وبلاء جميل قد تقدّم لهم . فخير الأشياء لهم ولك فيهم ان يظهر فضلك عليهم وعلى الناس عامّة حتى تغلبهم على الامر الذي نافسوك فيه ويجوز الشيء الذي نازعوك ايّاه فيذعنوا لذلك معترفين بفضلك مقرّين « 4 » بسبقك . ولا ينبغي لمن تمسّك بالعدل ان يخاف أحدا فقد قيل « ان العدول لا يخافون اللّه » اي لا خوف عليهم منه إذ اتّبعوا رضاه وانتهوا إلى امره . وقد اعرف ان سجيّتك التشكّل باشكال مختلفة من عدل وافضال ولين وغلظة وهذا مما يصيّر العامّة إلى التعجّب منك ولا سيما إذا تأمّلوا مخارج تدبيرك وعواقب
--> ( 1 ) والصواب « ما » بحذف حرف العطف ( 2 ) كذا في نسختنا وقد قرأ الدكتور ليپرت « خشفهم » وأصلحها بخشنهم . ونظنّ ان الصواب « جشعهم » ( 3 ) ولعلّها : يجاريك ( 4 ) وقد روى ليبرت « مقتدين »