لويس شيخون وآخرين

22

مقالات فلسفية لمشاهير فلاسفة العرب ( المسلمين والنصارى )

فأضاف اليه العلم . وكذلك جميع الأوصاف على انّ الواجب على كلّ من يصف البارئ بصفة ما ان يخطر بباله مع تلك الصفة انه بذاته منزه عن أن يشبه تلك الصفة بل هو أفضل واشرف وأعلى وانّه لا يتهيّأ لاحد إحاطة العلم به كما هو [ مستحق له ] ثم إنه إذا علم هذا الذي وصفناه فينبغي ان يتأمل اجزاء العالم كلها فانّه يجد أفضلها ما هو ذو نفس ويجد أفضل ذوي الأنفس الذي له الاختيار والإرادة والحركة [ التي عن رويّة ] وأفضل ذوي الإرادة والحركة [ عن الرويّة ] الذي له التمييز والفكر والنظر البليغ في العواقب وهو الانسان [ الفاضل ] . وان يعلم مع ذلك ان الطبيعة لا تفعل شيئا باطلا فكيف مبدع الطبيعة والبارئ تعالى حيث هو وهب الاختيار والفكر والرويّة للبريّة لم يكن ينبغي ان يهمل امرها . وكان من الواجب في عدله وصنعه المتقن ان ينهج لها منهجا يسلكونه . ولما كان ذلك واجبا « 1 » لم يكن ينبغي ان يرسل إليها من ليس من طبعها « 2 » لأنهم لم يكونوا يقدرون على الاستفهام ممّن هو من غير طبعهم فظاهر انّ في الناس وفي عقولهم وقوى نفسهم تفاضلا بينا حتى انّ الواحد منهم يفوق ( v 46 ) بالفنّ الواحد جميع ذوي جنسه ويعجز الباقون عنه فممكن اذن ان يكون من الناس من يقوى على أن يوحى إلى قلبه بما يعجز ذوو جنسه عن مثله « 3 » حتى يقوم ذلك الواحد بتبليغ ما يلقى اليه ويقدر بتلك القوة وذلك الإفهام على تشريع الاحكام ونهج السّبل الداعية إلى صلاح الخلق ثمّ ينبغي ان تعلم انّه إذا ظهر مثل هذا الوجه وتبيّن امره « 4 » فالواجب على كلّ ذي تمييز اتباعه وان تعلم أن لكلّ واحد من الناس تمييزا ومعرفة فمتى عرف الافهام الكثيرة والآراء المختلفة مجتمعة على كلمة واحدة ولم يجد ما هو اظهر منه « 5 » وأكشف

--> ( 1 ) ويروى : كان ذلك بالواجب ( 2 ) يمكنه تعالى ان يبلغ أوامره للبشر توّا دون وسيط أو رسول . لكنه عزّ وجلّ يختار عادة من يتوسّط بينه وبينهم ( راجع رسالة القديس بولس إلى العبرانيين الفصل الخامس ) ( 3 ) وزد على ذلك ان اللّه إذا اختار له رسولا لتبليغ ارادته للبشر يجمّله بالصفات التي تؤهله لهذه الدعوة ( 4 ) يتبيّن امر الرسول المرسل من اللّه بالمعجزات الصادقة التي يصنعها ( 5 ) قوله « ولم يجد ما هو اظهر منه » يدل على انّ المرء في معرفة الرسول الصادق لا يكفيه اتباع العدد الأوفر بل ينبغي له أيضا ان يستعين مع ذلك بقواه العقليّة ليرى صحة الرسالة ويميزها عن الرسالة المدّعاة