ابو بكر بن طفيل
87
حي بن يقظان
الدوام ، ويمدها بالبقاء والتسرمد ، ولا حاجة بها ، بل الأجسام محتاجة إليها . ولو جاز عدمها ، لعدمت الأجسام ، فإنها هي مباديها ، كما أنه لو جاز ان تعدم ذات الواحد الحق - تعالى وتقدس عن ذلك ، لا إله إلا هو - لعدمت هذه الذوات كلها ، ولعدمت الأجسام ، ولعدم العالم الحسي بأسره ، ولم يبق موجود ، إذ الكل مرتبط بعضه ببعض . والعالم المحسوس ، وان كان تابعا للعالم الإلهي ، شبيه الظل له ؛ والعالم الإلهي مستغن عنه وبريء منه ، فإنه مع ذلك يستحيل فرض عدمه ، إذ هو لا محالة تابع للعالم الإلهي . وانما فساده ان يبدل ، لا ان يعدم بالجملة . وبذلك نطق الكتاب العزيز حيثما وقع هذا المعنى في تغير الجبال وتصييرها كالعهن « 1 » ، والناس كالفراش ، وتكوير الشمس والقمر ، وتفجير البحار « يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ » . فهذا القدر هو الذي أمكنني الآن ان أشير إليك به فيما شاهده « حي بن يقظان » في ذلك المقام الكريم ؛ فلا تلتمس الزيادة عليه من جهة الالفاظ ، فان ذلك كالمتعذر . وأما تمام خبره ، فسأتلوه عليك ان شاء اللّه تعالى ، وهو انه لما عاد إلى العالم المحسوس ، وذلك بعد جولانه حيث جال ، سئم تكاليف الحياة الدنيا ، واشتد شوقه إلى الحياة القصوى ، فجعل يطلب العود إلى ذلك المقام بالنحو الذي طلبه أولا ، حتى وصل اليه بأيسر من السعي الذي وصل به أولا ؛ ودام فيه ثانيا مدة أطول من الأولى . ثم عاد إلى عالم الحس . ثم تكلف الوصول إلى مقامه بعد ذلك ؛ فكان أيسر عليه من الأولى والثانية ، وكان دوامه أطول . أصبح من السهل على حي مشاهدة العالم الروحاني وما زال الوصول إلى ذلك المقام الكريم يزيد عليه سهولة ، والدوام يزيد فيه طولا بعد مدة ، حتى صار بحيث يصل اليه متى شاء ، ولا ينفصل عنه الا متى شاء . فكان يلازم مقامه ذلك ، ولا ينثني عنه الا لضرورة بدنه التي كان قد قللها ، حتى كان لا يوجد أقل منها .
--> ( 1 ) العهن : الصوف .